مذياع جدي عبده - سلمان القباتلي

هذا النهار جسد خامل كنعاس القط ، جامد لاشيء يحرك سكونه غير وشوشات مذياع جارنا أبي أمين... في تمام الثانية ظهراً بعد أن يعد أبو أمين متكأه في فناء داره تحت مظلة صغيرة يدير محرك المذياع ليطرب بصوت المذيعة وهي تقدم نشرة الآخبار.. حين تنتهي مذيعة الأخبار من حصد الكثير من الجثث والضحايا في نشرتها السريعة، يجمع أبو أمين وجنته المتكورة من أغصان القات بيده اليسرى ويدير بلا أكتراث محرك المذياع ليستمع للفنانة منى علي وهي تغني بصوت يحرك الكثير من الذكريات القديمة: ساعة الرحمن ذلحين. ..والشياطين غافلة... وطننا يشبه تماما مذياع أبي أمين ، يحتوي على كثير من وشوشات الحرب ، تتداخل زفات الأعراس ، بأصوات الحداد في المساجد .. ينبعث صوت مذياعه من فناء داره إلى غرفتي ، بصوت فخم غليظ غائر يشبه الأصوات المنبعثة من بئر ، حين ألتقط صوته أسافر عبر الذكريات القديمة إلى مذياع جدي عبده كان لجدي متكأ خاص في زوايا مجلسنا في القرية أمامه نرجيلة نحاسية قديمة ، يجلس تحت نافذة حديدة يمد منها سلكاً نحاسياً إلى مذياعه لتقوي الأسلاك استقبال المذياع في اختطاف الترددات الصوتية... كان يلوك الشمة البيضاء تحت لسانه ويزم شفتيه كثيراً حين يستمع نشرات الأخبار... ثم يخرج عوداً يابساً من القات يخبئه في تجاعيد شعره الأبيض... جدي يشبه إلى حد كبير في ملامحه البردوني ، لكنه رجل صالح لايقول الشعر ، ولم يكن أعمى البصر ولا البصيرة... كان مذياع جدي قطعة صغيرة يضعها بالقرب من مسمعه ، تراه يستمع الأخبار بأنصات عجيب وكأنه أحد جنرالات الجيش البريطاني وهم يتقصون أخبار جنودهم الذين يقتلون في جنوب شبه الجزيرة العربية... حين كان جدي يفتح المذياع وخصوصاً إذاعة لندن ، وحين كانت الإذاعة تنشر أخبارها تبدأ بصوت جهوري (هنا لندن) يتبعه أصوات موسيقى ، كان يحدثني جدي عن قصة ظريفة لأحد أصدقائه من القرية المجاورة حطم مذياعه واتهمه بالكثير من الكذب والزور ، وحين سؤل لذلك قال: إنه مذياع يكذب أفتحه في التاسعة مساء في أسفل الوادي ، يزعم أن هنا لندن ، وأنها العاشرة مساء... كنت أصحب جدي في لحظات مقيله الأولى حين يعطي القات نشوته للحديث والضحك وتَقبّل الصغار أمثالي في مجالس الكبار. كنت أصطحبه طمعاً في قطع السكر التي كان يتناولها مع القات ، فكلما قرأ المذيع خبراً حامضا كان يضع جدي قطعة من السكر بفمه ليحلي هذا الخبر ، ثم يسرق لي من كيسه قطعة أخرى... وحين ينتهي من سماع الآخبار كنت أسأله عن أخبار القدس ، بعد أن سمعت المذيع يتحدث عن الإحتلال الإسرائلي. ..يهز جدي رأسه ويقول ساخراً : (قرمن قح) هذه الكلمة ليس لها أي معنى كنشرات الأخبار تماما ، لكنه كان يقولها جدي دائما إجابة للأشياء التي ليس لها معنى... مات جدي وكثرت نشرات الأخبار ، وتعددت المواقع الأخبارية ، والصحف والمجلات ، ووكلات الأنباء ، وتعددت الكثير من الأخبار الأخبار الاقتصادية ، الأخبار المحلية ، الأخبار الجوية ، لكنها ( قرمن قرح) دون معنى ودون فائدة ، كما كان يقول جدي -رحمه الله-
شاركها في جوجل+

عن اليمن تكتب

0 التعليقات:

إرسال تعليق