منذ ثلاثة أشهر تقريبا , كنت على أهبة الاستعداد لمغادرة هذه البلاد مع أمي الى الأبد ، فالحرب لا زالت تزداد تعقيدا يوما إثر يوم , حتى صرت مقتنعا بأنها لن تنتهي خلال سنوات،
مرَّ الى الآن سنة بعد تفجير مستشفى منطقتنا النائية و الذي كنت - لسنوات قبل أن تبدأ هذه الحرب - أشهر أطبائه،
أنا - الآن - بلا عمل و بالكاد أنجو أنا وأمي وسكان المنطقة من القصف قدرا ,
كنت على وشك النزوح إلى جيبوتي بحثا عن دولة مضيفة للاجئين عندما اتصل بي صديقي جمال _طبيب اختفى منذ شهرين_ قال لي :
_أحتاجك في وظيفة مهمة جدا, إنها صفقة العمر ,
التقينا بعد أسبوع ، ثم أخذني إلى حارة بعيدة جدا عن حارتنا ، منازلها شبه مهجورة و مدمرة كليا بسبب القصف الشديد,
نزلنا لقبو منزل قديم ،شهقت عندما رأيت طاولة جراحية لا تستخدم سوى في غرف العمليات .
_ حسنا ياصديقي ،لقد عملت ُ هنا لمدة شهرين ،وقد جمعت ثروة لا بأس بها والآن سأسافر بعيدا عن كل هذه البشاعات و الحروب المقززة,
أنت جراح ماهر ، يقومون بجلب العديد من الجثث المشوهة يوميا, قم بانتزاع الأعضاء الصالحة للبيع ثم سلمها لهم ، أعدك , سوف تحصل على أموال طائلة,
لم ترق لي الفكرة ، لكنني كنت مجبرا على المجازفة كي أحصل على المال الكافي للسفر، أخبرت أمي أنني قد وجدت عملا مناسبا ، وأننا سوف نسافر قريبا ، فهزت رأسها بصمت.
بعد أسبوع بدأت العمل ،كل صباح تتصل بي أمي و تصر عليَّ أن أصلي الفجر ثم تطمئن علي ،
يأتي الملثمون بعد ذلك بالجثث ليبدأ العمل الذي ينتهي في ساعة متأخرة من الليل،
يعودون ليحملوا الصناديق البلاستيكية السوداء الممتلئة بالأعضاء المستأصلة والثلج والبقية المتبقية من الجثث،يدفعون لي المئات من الدولارات يوميا ،يقول لي : حدسي أن هناك منظمة عالمية خلف هذا العمل ,
لا يهم ، و مع مرور الأيام أصبحت ثريا ,
أذكر مرة انني قلت لأحدهم :
_ ما هذا ؟!
جثتان فقط ؟!
في الأخبار تقول المذيعة : إن ضحايا غارات الأمس بالعشرات !
_ياغبي !!
نحن لا نستطيع أن نجلب كل الجثث،منها ما يتم التعرف عليها لتدفن، أما الجثث المجهولة فنحملها بهدوء ونجلبها إليك دون أن يعرف أحد,
مرَّت الأسابيع وثروتي تزداد،
أمي تتصل كل صباح، بصوت مرتجف تلح عليَّ أن أصلي الفجر ،ثم أعدها اننا سنهاجر قريبا إلى تركيا لنعيش حياة ممتعة,
كانت ثروتي من المال تزداد،والقصف العشوائي على الأماكن السكنية يزداد ، وكل صلواتي هنا هي استئصال الأعضاء.
أذكر أني اشتغلت كثيرا هذا اليوم،الكثير من الجثث عبثت بها،
عندما انتصف الليل جاء الملثمون أخذوا الصناديق مع البقايا، وتركوا لي جثة واحدة مشوهة, حملتها فطرحتها على الطاولة في منتصف القبو ثم عدت و استندت على الجدار لأغفو قليلا.
بعد ساعات ،انتبهت لجثة الطاولة تنهض ثم تنزل عنها بهدوء ،
كانت تخطو باتجاهي , و أنا شبه نائم, مسحت بحنان على رأسي:
_هيا انهض !!
الله يرضى عليك ،حان وقت صلاة الفجر ياولدي.
عبدالله الموشكي
0 التعليقات:
إرسال تعليق