مر عامان على الحرب
ما زلتُ أستطيع الوقوف بثباتٍ رغمَ الجرح في قدمي اليسرى ,
أظنني أخبرتك عنه قبلاً في إحدى رسائلي التي فاتتك قراءتها ,
لم يكن الجرح بشعاً وقتها، مجرد سائل أحمر يجد طريقه مني سريعاً إثر شظية إحدى القذائف..
صدقاً لم يكن بالشيء الجلل حينها
كُل ما كان يهمنا حينذاك أن تكون الأرواح التي تركناها خلفنا سالمة، وإن كان ذاك يعني أن نعود مبتوري الأطراف!
مترعين بالجروح ومناظر القتل والجثث..
حتى لو كان ضريبة ذلك أن أستيقظ فزعاً من نومي كل ليلة بعد عودتي من الحرب، إثر قذيفة تلاشتني وقتها وعادت إلي الآن
حتى وإن عدتُ جسداً بلا روح
كان يكفيني أنتِ..
أن أعود و أراك على دكة الباب أنتِ وبعض نساء الحارة ترشفن القهوة أخيراً بعد أن انزاحت غيمة الحرب
لكنها شيماء الحرب، لم تدعني أظفر بكلا النصرين معاً
إما إن أحتفظ بكِ أو بها!
أراها لا تقبل الضرة كما كنتِ تُخبرينني..
عدتُ إليكِ سالماً، كما وعدت
سوى من إحدى أصابعي مفقودة
لا عليكِ لا زلتُ أستطيع عزف الموسيقى وسماعها أيضاً - إن كان هذا سؤالك.
أستطيع حمل باقة الورد إليكِ كل صباح أيضاً، حتى وإن كانت جميع أصابعي قد فقدت ...
لكني عوضاً عن ذلك أجر باقة الورد إلى قبرك!
هل عساكِ تذكرين حين أخبرتك أن مغزاي من الحرب هو أنتِ
أخشى أن يأتي أحد المغتصبين ويأمركم بإخلاء البيت في ثوانٍ وإلا اختلط رفاتكم بترابه..
ولأن لعنادكِ قصةً طويلة أعلم أنكِ كنتِ ستقسمين بشجر الزيتون أن لا تغادري هذا المنزل إلا على كفن
خرجت إلى الحرب خشيةً عليكِ، أخشى أن يأتي أحد الجنود إلى حيكم فيدنسه ,
لا أراني أحتمل هذا!
قد أاغتصب وطني مرةً من قبل، لا يعقل أن اراه يغتصب مرةً أخرى دون حراك!
وعدتك أن أفعل كل ما بوسعي شريطة أن تفعلي كل ما بوسعك لتبقي سالمة
أظن هنالك مِنا آخرين في كل حي من أحياء غزة
لذلك ما زلنا نُنجب وننجب كي لا تُغتصب أرضنا مرتين
أسوء الاحتمالات التي كانت تراودني أن أظفر بكِ دوناً عن المعركة فـأعيش في ذلٍ لا قاع له
أو أن أظفر بها دوناً عنكِ!
هل تراني أقدر على السير بواحدةٍ منكما دون الأخرى!
أنا هنا كبقية الرجال، نتزوج من اثنتين
الأولى متجذرة فينا قبل أن نولد، فلسطين
والثانية نختارها نحن..
وقعت أسوء احتمالاتي التي لم تراودني يوماً!
هُجّرتم من البلد، من الأرض والوطن إلى مخيم لا يكاد يفيد بشيء
تنتشر الحرب سريعاً كما الهشيم
هنا أحسست بروحي تتمزق إلى أشلاء، ومع كل حادثة جزء من روحي يذهب أدراج الرياح...
تمت خطبتك بعد ذلك..
هنالك رجالٌ كثر وأنت وامك فقط دون سند
كان يتوجب عليك ذلك
وهنا كل روحي ذهبت قطعةً واحدة
كان يتبقى فقط الرمق الأخير الذي سلبتني إياه حين موتك...
أما كان يكفي الحرب تهجيرك وخطبتك!
أول ما وقعت عيناي عليه حين عودتي، طفلةً صغيرة في حضن أمك
اسميتها يافا ثم تركتها ورحلتِ
أظن هذه الزيارة الأخيرة لي إلى قبرك..
سأعود ولكن ليس الآن، بعد أن اتعافى منكِ ربما
لن أكون وحيداً حينها، ستكون يافا معي
رنا جميل
0 التعليقات:
إرسال تعليق