" لحــظةُ ضَجــر " ياسين السامعي

أعـزائي الطيبين ! سكـانَ كوكـبي المـأهول بالخـراب! أنتم أيهـا المـارُّون بأقـدامهم فوقَ رفاتِ أحـرفي التي هي في الحقيقة رفاتي , ليتنِي - الآنَ - رقمـا في سِجـلاتِ الذين قضـوا حتفَـهم تحت الأطلال ! أتساءلُ كلّ لحظة ! ما جـدوى وجودي ؟ لِمَ لازلتُ أعيشَ حتى اللحـظة ؟ لِمَ لا يزورُ " موتائيل " منزلنا ؟ أبلغُ ثلاثينَ قهرا و عاما , طاعنٌ في سِنِّ الضيقِ و السأم الروحي , لا أفهمُ لِمَ عليّ البقاء هنا , أعـترفُ لكم بمحضِ إرادتي أنني سـَيِّيءٌ للغـاية, خليطٌ مِن القبحِ شكلا و مضمـونا أحـوِي في داخلي كلّ رواسِبِ الجهلِ و التخلفِ و الارتكاس, مضـموني أسـوأُ مما تتوقعـون, أنانيٌ قبيحٌ محبطٌ متِكلِّسٌ غِبِيٌ أحمـقٌ معتَلٌّ ناقصٌ أجـوفٌ , سجينٌ في وسطِ ذاتِي, كاسدٌ ممنـوعٌ مِن الصرفِ, و جُــموعِي كلّها كسيرة , سخيفٌ و أحيانا أقتربُ مِن التفاهة و قد أغـدو ذاتَ يومٍ لعينا, فقيرٌ بائسٌ معدِم لا أمتلِكُ شيئا سوى جيبِ قلبي الممتلئ بأملٍ متكدِّس باتَ ضيقا بي , أنا غـابةٌ حُشِـرَ فيها كلّ وحش , مساحاتٌ مِن الصفاقة و الرعـونة خـرجتُ مِن بطن أمي أحملُ أكواما مِن الشقاء , رمت بي أحشاؤها كمَن يتخلـصٌ مِن مهملاتِه , أُشبِـهُ - إلى حـدٍّ مـا - هـُوةً هـائلةً إليها تفضي كلّ المخلفات التي تجرفها السيول , تتجمعُ في أعماقي أوبئةُ الحياةِ و أزماتُها و جراحاتُها أنا ذلكَ المتعثِر بي , آلةٌ معطوبةٌ لا جدوى مِنها, حتى الأنفـاس التي أحيا بها بِتُّ لا أستحقُها و ليعلم الله كم هي حزينةٌ إذ باتت رهينةً في صـدري قضي عليها أن تكونَ شهيدة شهيقي و زفيري البائسين, أنا ركامُ المأسـاةِ التي تتنامى يوما إثر يوم , طريقي ليس شاقا بقدر شقاءِ نفسي و روحي, و لقد بلغت بي تعاستي أنني كلما حاولتُ التخلصَ مِني و إزهاق نفسي باءت مل محاولاتي بالفشلِ و لَكأنني مـوعودٌ بعصـرٍ آخر مِن الضيـاعِ و المتاهة , أنا ورمٌ سرطاني في حلق الحياة , و داءٌ في جسدِها و عضوُها الأشـلّ , تموت كل مرة بسببي , إلي أينَ أُزمِعُ السفر و أنا بهذا الكم الهائل مِن التعاسة ؟ أين أُلقِي بي في ظلّ هذا التوجع الذي يجتاحني مِن أطرافي ؟ أعيشُ بقلبٍ مثقـوبٍ , أُرِقِّعُه ليلاً فلا أصحو إلا على خريرِ أحـزانِه التي تتسربُ مِن ثقـوبِه حتى استعصى عليّ سدُّ فوهاتِه , هَـشٌّ أتكسرُ كل يوم كإناءٍ ترابي حارق يابس , أنا مَـلِئٌ بالتناقضاتِ و الاختلالاتِ و الخيباتِ و الهزائمِ, أخطـو بتوقف , أركضُ للخلفِ , أعيشٌ حالةً مِن الكسادِ الشعوري في تغريبة نفسية لا حدودَ لها جغـرافية متصحرةٌ, طقسٌ جامدٌ لا تتوقف فيه رياح الآلام و عواصف المحبطات, أغفو على حصير محشو بمسامير الأحزانِ و شوكِ الأيام , أنا كهفٌ للإيواءِ غير أنني لا أجد مَن يُؤيني , و مسجدٌ لا يرتادُه الناسكون , و كنيسةٌ ليس فيها غير نواقيس النوائب تؤذن بحرب روحية جديدة كل مساء , لا فرقَ بيني و بين مُحتَضِرٍ يلفظُ أنفاسَه وحيدا تحت صخرةٍ هائلةٍ, و هو يحاولُ- بما تيسرَ مِن أملٍ - أن يزيحَ عنه هذا الثقل الذي يوشك أن يطحن عظامه فيرسله فورا إلى البرزخِ, ينتَابُني فَــرَقٌ هنا و يَلُفُّــني ثوبُ احتضاري تقتاتُني الأحزانُ في لَيلِي و يقضِمُني نهاري و الخوفُ مِقصلتي التي و الليلُ يزحفُ خلفَ داري ريحٌ مِن الآلامِ تعصِفُني و في عَينَيَّ نهـرُ القهرِ جاري وجعٌ على وجـعٍ يبَعثِرُني و يهـدمٍ لي جـداري
شاركها في جوجل+

عن اليمن تكتب

0 التعليقات:

إرسال تعليق