ما قَبل الذات: "إختلفت قِصصهم وتشابهت أسبابهم؛
يمضون إلى نفس الشخص الذين يعتقدون أنه المهرب من مشاكلهم دون النظر إن كان هو نفسه
يبحث مثلهم عن مأوى يختبئ فيه."
.. "سأترُك أثراً على هذا الكوكب ولو اقتصر
ذلك على تقبيل الجدار"
بقلم / لمياء الحيفي.
ذاتَ يوم
صمتٌ لا محدُود، دمُوعٌ أوشَك أن يتطفّل
عليها موسِم القحْط والجفاف، حُزْنٌ غاشِم سيطَر علَى روحها دون سَابِق إنذار -هِي
لا تستحِقُ ذلِك أبدا-
روحُها بريئَة، طُفولِية، صحِيح أنّها لمْ
تكُن على درجِة من الجمال، لم تكُن جمِيلة للحَد الّذي يجعَل الكُل يرغب ينبهر حين
رؤيتُها، لكِنّ روحها كانَت أجمَل من الشّهاب حيْن يسِير فِي ليْلة صافِية ويلفِت
الأنظَار، كَانت روحها أجمَل من البْدر فِي ليلَة ظُهورهِ مُحاط بهالة من أجمَل ما
أبدع الخالق، وتبَارك الله أحسُن الخالِقِين، إنّ روحها تُعشَق، وليْس فقط تُحب.
ذات مرّة قالت لِي: " ربّما حمِله
الكثِير فِي مأقِيهم، ولكنّه لنْ يجِد من يحْمِل مُقلتيْه إليْه إلا أنا. هــه !!
كَانت عيناها تتردّد بيْن أن ترفَع رايتها
البيضاء وتسْتسْلم لجُرح قلبِها، فإنه يحتَرق جفناها، كأنّ على كُل جفْنٍ جمْرة، وبيْن
أن تكُون أقوى مما كانت عليْه من قبْل.
أضحَت أمل لا تتحدّث إلا فِي المواسِم العظِيمة كما يقُول المثَل الدارِج -كُل
موتِة يهُودِي -. بينما كانت سَابقا، تزعجنا من كثْرة كَلامها.
أمل، لا بأس بأن تُزعجِينا، فإزعاجِكِ لنا
بكلامكِ هُو جنّة بيتنا
..
بالأمْس كانت فراشةً تلهُو وترفْرف
بجناحي سعادتها فِي كُل مكان تحِطّ فِيه؛ لم أكُن أتوقّع أنها يوماً ما ستكُون بمثْل
هذِه الحالة المُزدرئة.
*أمل !!
_ هاه تفَضل.
*أأقُول شيئاً ؟!
_مثْل؟
*أنْتِ جمِيلة.
_هـــه!
_ صدّقينِي! فإنّ جمالك الروحِي، الدّاخِلي،
أسمَى من كُل التّرهات فِي هذه الدّنيا، أنْتِ جمِيلة بحَيْث لا يليْق الحُزن أبدآ؛
أثقُ تماماً أنكِ يوماً ستجِدين روحاً تُشبِهُك
وتستحِقُّك بصدق يكفي الكون جمالاً حينّ تَلمع عيناكِ وتُداعبهما أشِعةُ الشمس.
..
تقدّمت خطْوتين للخُروج من الغرفة، التفَتت
إلّي بوجهها -مع ابتسامة لا تكَاد تتضّح – قائِلة: شُكْراً نور.
لقَد تغيّر كُل ما فيها، لقَدْ كان الكَفنُ
من نصِيب ضحكتِها، وابتسامتها أوشكَت على الانقِراض؛ وحتّى كلمَاتُها قد باتت من ضمْن
أمانينا؛ دائماً ما تلتَزِم الغُرفَة، تُمسِك القَلم بيديها، ودفتَر أزْرق اللون، وتستهويها
الكِتابة، هَل الأوراق أوفَى منّي مثَلاً!
أم هِي الأوراق أوفَى من غيرها، يُصِيبنِي
الفُضُول لأعْرف بماذا تخْبر أمل كتابها الأزرق، الذّي لا تترْكُه أبداً، وكَأنه ابنها
الذّي التقت به بعْد عشْرين سنَة من الضياع.
..
قبْل ما يُقارب سبْعة أشهُر، كنا فِي وليْمة
للعائلة –من طَرف والدتي-كان خالي قد ذبح ذَبيحةً لابنته التّي رُزق بها بعد ثمان سنوات
من المُعاناة.
ألْقَت إحْدى خالاتي (أُم إسماعيل)
كلمَة رنّت على مسامع جمِيع الحاضِرين "أمل ستكُون زوجَة ابني "
بَدَت ملامح الاسْتِغراب تظْهر على وجُوه
فئِة منهُم خاصَة (أمل)
وتعالَت ضحكات البَقية وكَأنّها كانت مزْحَة.
ألا يعْرفُون أن القّلب أهَون شِيء، ويُصدّق
كُل ما يُقال !!
مُنذْ تلْك اللحظَة الحقِيرة كمَا أسمتها
(أمل)، مُنذُ أن دوت كلمَة خالتِي فِي أذُن أمل دوت أيضَاً فِي قلبِهاً، فكَان لإسماعيل
الحقّ الكَاذِب فِي التّربع داخِل قلبِ أخُتِي، ولمْ يَخْرُج حتّى اللحظَة، وكَأنّه
جِنّيٌ مسّ شخصَاً فعشِقه ومَا من أحِد قادِر على شِفائِها منْه. كَم أتمنّى أن يكُون
قد ترك لها فجْوة صغِيرة تستطِيع أن تُمرر منها رجُل أخَر لتُضمّد بها جُرحه. !!
أحياناً أتساءل: كيْف يُمكِنُ لفتاة أن
تتعلّق بشَابٍ هكذا دون حتّى أن يحدُث بينَهُم حدِيثٌ خاص، وحتّى أن عيناهُم لا تلتقيان
إلا فِي المُناسبَات الكُبْرى. !!
عجِيبٌ أمْرُك أيّها القَلب، كُلك مُجرّد
مُضغة بالنَسبَة للجِسم، وإن صَابَك شَيء
تنعَدِي كُل أعضّاء الجسَد اضْراباً من أجْلك.
كيْف يمكِنّك أن تحبّ شخصاً دون أن تتبادلوا
الكلمَات والنّظْرات، وأنْت أحيانا لا تُعِير أيُّ اهتمام لمَن قدْ يكُون متمسّك بِك،
هَل أنْت ديكتاتوري، أم مُتسلّط.
!!
لمَ لا تدَع العقْل يختار فِي بعضِ الأحيَان. !!
أيُّ رجل هذآ الذّي يطْوي امرأة بيْن يدَيه مثْل لولَب معدنِي، ثُم يطْلقه ليرتد بعِيداً
ويسْقُط على الأرْض ملويَاً. فائِضَاً عن الحاجَة، غيْر قَابل للاستخدام.
أي رجُلٍ هذا الذّي بِقُدرته أنْ يغيّر
حال فتّاة من سعادة لحُزن، وبقُدرتِه أن يردّها كما كانت، حيْثُ باتت (أمل) هشّة كإنَاء
من زجَاج لا فَرق بيْن من يكْرسَه مازحاً أو جاداً.
قرأت فِي روايَة ذات مرّة " فِي هَذِه
الحَيَاة التّي نَعِيْشُها لَم يجْعَل الله مصَائِرَنا فِي أيْدِي الأخَرين ولكِنّه
مَنَحَنا ضَعْفاً كَافِيَاً لِنُسَلّم مصائرنا لهُم. "
وهذّا بالضّبط ما حصَل مع (الصغيرة أمَل)
فهِي رقِيقة، تجِد فِي قلبِها الضّعف الكافِي لتضَع مصِيرها بيد إسماعيل.
لمَ قَدْ يكُون لك السُّلطة وتنحنِي لك
الأعضَاء. ؟!!تغيّر كُل ما فِي أمل منْذ شهْرِ إلا أياماً معدُودات، وذلِك مُنْذُ أن وصلنا نبّأ خطبَة إسماعيل،
من فتَاة تدْرس معه فِي الجامعة، وحسَب ما تمّ اعْلامُنا، أنّها فَاتِنة جدّاً، بَل
إنّ جمَالُها يُضَاهِي جمَال المُتسابقات لكْسب لقَب "ملكةً
الجمال".
هُنا يتضّح لنا غَباء العقْل حيْن يفضّل
فتاة جمِيلة على فتاة بإستطاعتها أنْ تُقدّم روحها من أجْل مَن يهْواه قلبُها. !!
لمْ تكُن خالتِي سعيدة بخطبَة ابنها من
تلك الفتَاة المُسمّاة مريم، ولكِنّ إسماعيل أحبهَا وكَانت رغبَتُه المُلحّة.
وللأسَف؛ فِي هذا اليَوم حصَلت الصّدمة
لأمل، وقد كانت الصّدمة الثانية التّي تُلقى على عاتقنا منْذ بداية هذِه السّنة الكئِيبة
كَأنّها عن سَبْعُ سنوات عجَاف، فقَد فقَدنا والِدي، وانتقل إلى رحمة الله تعالي بِسبب
مرضِه الذّي عانَى منْه مُدّة لا بأسَ بِها، لم يكن يريد اللهُ أن يتعِبَه أكثّر فوافتهُ
المنيّة، فإن كُل نفْسٍ ذائِقة المَوت، وإذا جاء أجَلُ أحدِهم لا يستَأخِرُ سَاعة،
ولا يستَقْدم، فليتغمّدك الرّبُ برحمَتِه الواسِعة يا أبتِي. لمْ نتحمّل الصدْمة الأولَى
حتّى تُجبَر أمل على تحمّل الصدمَة
الثّانية، فقلْبها الرّقِيق بات هشّاً أهْون من بيتِ العنكُبوت؛ وكُلنا نعلَم حقِيقة
أنّ الصدمَات المُتتالية تكُون شبْه قاتِلة، أو بالأحْرى، تغتَال الروح، وتُبقِى
على جسَدٍ يتحرّك فقط.
أصَابت أمل صدْمة عصَبِية، أخذها أخِي صَلاح
إلى المشْفَى، تأخّروا كثِيراً؛ كَانت تُعاني من نقْصٍ فِي الأكسِجِين أدّى إلى نقْصٍ
فِي التنَفس، وأوشَكت علَى أن تدخُل فِي غيبُوبة لولا لُطْف الله عليْها.
بعْد أُسبُوع تحسّنت أمل قلِيلاً، وحتّى
كلمة قلِيلاً كثِيرة على ما تُعانِي منْه أُختِي الوحِيدة الرّقِيقَة.
..
عَادَت للجامعة بعَد أن أخذت إجَازة تُقَارِب
الأسبُوعَيْن، فقدْ تبقّى لها شهْرَين فقَط وتتخرّج.
لَم تكُن أمل كما عهِدناها سَابِقاً حياتها
قُلِبت رأسَاً على عقْب، الورْدة المُتفتحَة قَد آن الأوان لذِبُولها، يَا وجَع قلبِي
عليكِ. !!
وقدْ مضَت الأيّام كَطُرفَة عيْن، وتخرّجت
سُنبلتُنَا، أردنا أن نُدهِشها، ونُفرِح قلْب ملكَتنا الحَنونة، بإقَامِة حفْلة صغِيرة
بمناسَبة تخرّجها،
اجتمع أقْربَائنا فِي منزِلنا المُتواضِع،
مُهنّئِين أمل بالتخّرج المُميّز، فقَد تخرّجت بمُعدل امتيَاز، الثّانية علَى دفعتها.
ارتدت أمل فُستان زهْرِي كمَا الوردَةُ
الجُورة المُتلألئة، بدَت فِيه كعارضات الأزيَاء، بَل وأروع؛ لكِن كانَت مَلامِح الحُزن
قَد سبّبت تشّقق دامِغ علَى وجهِها، هِي كَانت مُتأكدة من أن إسماعيل سيَأتِي مثْل
باقِي العائِلة، وبالفعْل قَدْ أتَى إسماعيل معْ والِدته حامِلاً معهُ هدِية وباقَة
من الزّهُور وكَأنّه يقُول لها " ضعِي ع عيُونِك ورد، وتأمّلي في الكَون فكُلُّه
مورّد ".
لكِن الصّاعقَة التّي صعقَت جمِيع الحَاضِرين،
الصّاعقة التي كادت أن تُلقي بأمل في التهلكة، أنّ
إسماعيل قد أحضر خطيبته معه، حيْث وقع نظَر أمل على مريم، حين رأت أن مريم تشبِك أصابعها بأصابع إسماعيل، لم تتقدم خطوة واحدة،
وساد الصّمت فِي جميع أرجاء المنزِل، وكأنّه عطْرٌ فواح.
رأيت في صمتها صرخة دلت على قلبها قليلاً
وأضلتُه كثيراً.
رأيت فِي عينيها دمعة تجمدت من القهر، أو لعلها تجمدت من بُرود إسماعيل، شعرت لوهلة أنها
كانت تتمنى أن تبكي ب كُل قوة تمتلكها، لعلها تطفئ ما بداخلها من ألم ...!
قَرأْتُ فِي عينَيها " لم لا تكون
يدك التي تحمِل بها الزّهُور من حقّي، فأُمسِك يدّك أنا أيضاً كمَا تفعَل تلك،
أخبِرني كيف يمكنني أن أبقى بوعيي حينما
أنظُر إلى عينيك. !!
ألا يحق لي بالقليل من ذاك الحُب الذّي
ينبض في أوردتك لمريم، لأغزل منه شَالاً كَي يُدفئني في غيابك وحين أشتاق إليك. !!
انظُر الي عيناي وان كُنت تمتلك القُوة
أجبني: ألهذه الدرجة مريم أفضل منّي. ؟؟!! "
كَسرعة البرق أصبحت أمل في غرفتها، تركت
جميع الحاضرين، وأغلقت على نفسها الغُرفة، هارِبة من جُو التعاسة بنظرها، ونحن. كيْف
لنا أنْ نُفرح قلباً مشْلولاً بالحُزن، وكأن الحُزن أنيق، صاحب ذوق رفيع؛ يستوطن كُل
ما هو جميل ورقيق كـ رقة قلب أختي، كيف لنا أن نسعد، وهي سعادتنا التّي فقدناها، هَل
يُمكن لأمل أن تنسى رجلاً مزروع كالعشب في صدرها. !! هل يحقُ لها أن تطالب إسماعيل
بتعويِض عن نبضات قلبها التّي دقت كثيراً لأجْله. !!
هل يحق لها أن تطالب بتعويض عن الحزن الذي
بقلبِها. ؟!
لا أعتقِد.
وماذا عن مشَاعِرها. !!
مشَاعرها التي أفرطتها بإسماعيل كيف لها
أن تتقبل العيش مع غيره ...؟
..
قبل أن تنتهي الحفلة بعشر دقائق خرجت أمل
لتُلقي السّلام على الحاضرين.
وقد دقت ساعة النهاية، نهاية الحفْلة، نهاية
موعدنا مع الفرح؛ وهل كان لنا من البداية أصلاً موعداً مع الفرح. !؟
كانت والدتي تبكي دما على أمل، وتدعِو
لها عشيّاً وإبكارا، كان من الممكن أن تتملكني الغيرة، لكن ما أصاب أختي من ظلم ينهش
بها نهشاً ينهاني بتاتاً عن التذمر، كُنت على ثقة كبيرة بأن الله لم يخلقنا ليعذبنا،
لم يخلقنا لنحزن، فنحن عباده والله أحنّ من الأم على صغيرها.
فإنّه (ذات يوم) ستسعد أمل وسيكرمها
الله، لأنه الجميل لا يذهب إلا إن كان هناك أجمل سيأتِي ويستوطِن مكانه...
أليست والدتي تدعو لأمل. أليس الله يقُول
" ادعُونِي أستجِب لكُم ". وكذلِك يقُول " أنا عنْد حُسن ظَنّ عبْدِي
فِي فليظُن بي مَا يشَاء. "
ألهمنا الصّبر يَا حليم، لتبشَرنا بكُل
ما هو جميل يا كريم، لعلّ تلك الوردة التي آن أوان ذبولها تزهر، وتصبِح حمامة بيضَاء
تصُول وتجول.
لكن ما يثير فضولي بشكل أكبر، هُو حال أمل،
ما الذي يجول بخاطرها يا ترى، عن ماذا قد يكون حديث سرها ...؟ الله الذّي يعلم السر
وأخفر، هل سيُجزيها خيراً عليه أم سيُعاقِبها ...!
أمن المعقُول أن تكُون أمل تتهم حظّها بأنه
سيء، أيعقل أنها تظلم نفسها بتفكيرها اللاواعي ...؟
لا .... لا، هذا يبدو مستحيلاً.
فأنا وأمل تربينا على نهج واحد، تربينا
على نفس الأيدي، وإيماننا بالله كبير، بأنّه لن يحرمنا من السعادة.
أتذّكرُ موقفا حدث مع صلاح قبْل مُدة لا
أتذكُرها صراحةً، كَان قد لقِي أُناس فيهم من الخُبث ما لم تجِده عنْد أحد، كانوا معه
في الشّركة التي يعمل بها، أوقعوا به في مُصِيبةً، أدّت إلى فصْله من الشّركة، يومها
لم يستطع أحد إخراج صلاح من حالته الشّاذة إلا أمل بكلامها عن الصبْر، والأمل
بالله، وبأن الله سيُعوضّه خيْراً، ولا ريْب أنّ أمل لم تنسَ كلامها هذا لصلاح. والأمْر
الذي يُثِير تعجبِي أن أمل حلمت بأن حياتها مع إسماعيل ستكون خيراً، ولكِن غفِلت عن
حكمة الله التّي تعلو كل شيء، ولربما غفلَت أيضاً عن قول الله تعالى " وعسَى
أنْ تُحِبُّوا شيئاً وهُو شَرٌ لكم "، وجُلّ الله العظِيم الذي لا يسهُو ولا
تخفى عليه خافية في الارض ولا في السماء، جُلّ الله العظِيم الذي لا يتغاضَى عن دمعَة
بحُرقَة، فحاشاه أن يتْرك عباده سُدىً.
لم يمُر يومان حتّى رن هاتف أمل ليتم اعلامها
أنه قد تم اختيارها لوظيفة فِي احدى المؤسسات الكبِيرة.
نوبات الفرح بدأت تُرسم على ملامحنا، وبدت
أمل فرحة قليْلاً كَأنها سوف تجد ملاذاً تلُوذ به عن التفكِير بإسماعيل.
أو لعلّهم هناك يبايعون تعاويذ نسيان.
!!
..
أمل بطبعها الحاد كما هو وحتّى في عملها،
لم تكن تتحدث خارج نطاق العمل، وحتى في فترة الاستراحة كذلك، لم تكُن تتقبّل المزح،
والضحك مع زملائها ك مثِيلاتها.
أحد الزملاء معها كان يُدعى سالم، طبْعه مرح، وفكاهِي، يمزح ويمرح
مع الجميع دون استثناء.
قال: -أمل !! لمَ أنت بليدة هكذا. ؟!
ههههههههههه
تعالت ضحكات السُخرية والاستهزاء كأنها
زلزال مُدمّر. كانت ردّة فعل أمل صارمة كالعادة، لم تتفوه بكلمة واحدة، ولكن
نظَراتها كانت كافية لتردَع ذاك الغبّي.
نظَرت اليْه نظْرة مدلولها – تجنّبني أفضل
لك -.
تَركت أمل المكان وتوجّهت لمكتبها، هِي
تعشَق شيئاً يُسمى الانعزال عن العالم، الجلوس لوحدها، كَانت وما زالت دائماً تُفضّل
أن تأخُذ فترة نقاهة تنقّي بها روحها من البشَر.
من ضِمن الزّملاء كآن هناك شاباً يُسمّي
أحمد، لم يعجبه تصرّف سالم، فعاتبه وأحرجه
بكلام قاسٍ، بدَت مَلامح الاستغْراب والتساؤلات تظهَر بوضُوح تام على وجُوه كُل الزّملاء،
ما السّبب الذي يدفع أحمّد لتصرّف كهذا، مع أنّه ذات مرّة حاول أن يُناكِش أمل بكلمَة،
ولكنّ موقفها كان تماماً مثْل موقفها هذا.
.. أصبحت أمل في نظَر زملائها صارمة، متبله،
معقدّة، ضعِيفة، وغرِيبة الأطْوار.
أيجعَل الحُبّ العاشِق يمتلِك كهذِه صفات.
ألهذِه الدرجة الحُّب قاسِي ليحوّل العاشق
من إنسَان لغَريب أطوار ...!
إن الحُّب فيروس، بل وآفة تُصِيب المحبّين
فـ تقلب حياتهم رأساً على عقب.
تحْرمهم من الحياة، تكتم على أنفاسهم، تُصيبهم
بالشّلل الفكْري والقلبِي، بحيْث لا يكُون بمقدور العاشِق أن يُحرّك نفسه لينسَى، أو
على الأقل ليُحب مرّة أخرى. !!
بالأمْس حاولت أن أستغّل الفترة التّي تُصلّي
بها أمل، وتوجهّت لحقيبتها وتناولت كتابها الأزرق، فإن الفضُول ما زال بداخلي كسرطان
ينهش بِي.
فتحتُ الكتاب، وكانت فحوى أول صفحة ......
..
- إلَـــى ......
يَا تُرى ماذا تقصِد أمل بحرف الجر"
إلى" هذا، ولمَ بدأت كِتابتها به، لمَ لمْ تتوج الصفحة الأولى بمزِيد من الكلمات.
_كَم انت غامضة يا أمل.
بدأتُ بتقْليب صفحاته، فلفت انتباهي بعض
الكِتابات التّي خطتها أنامل أمل الطويلة.
" هلاّ تركت لي مساحة للحلم، أحلم
بها بغيرك، وأنجح في تحقيقه، لعلّي أنجو من هاجس الأحلام التّي لا تتحقّق، وتجعلنِي
قاب قوسين من الجُنون. !! "
" آهٌ لو انّك نظرت في عيناي نظْرة
قلبية ولو لمرّة واحده، لكُنت قد قرأت فيهم ما لم يستطِع أحد فهمه بداخلِي، لكُنت قد
فككت رمُوز أُحجيتي المُبهمة، فأنا لم أكُن بحاجة لأحد يفهمني سواك؛ فما هِي الفائِدة
التّي قد تعُود عليّ إن فهمهُ غيْرك وقلبِي يستهْويك أنت ...!! "
وتقُول أيضَاً " قرأت ذات مرّة في
كتاب يقُول _ دائماً هُو الحبّ الأول خرافِي مجنون، حتّى لو تأخر إلى أخر العمر يجيء
مُراهقاً؛ مثْل ما قال نِزار:
" حُبّك مثل الموت والولادة صعب أن
يُعاد مرتين "
" هُو لا يأتي حتى لو سمع بكاء الحروف
وارتعاش الورق، لو كان يريد البقاء لم يرحل منذ البداية؛ لربما كان إسماعيل يحمل في
قلبه عتباً تجاهي لم يصارحني به، فأصبح بيننا فراغ بَات كالجِسر عبْرت من خَلاله مريم.
"
..
سمعْت صوت أمل، فهرولت خائفة للخروج من
الغرفة، اصطدمت بها عند الباب، توتّرت، وبسُرعة قُلت لها
- أسفه.
..
..
لمْ يمضِ على عمل أمل الأربعة أشهر وعشْراً
حتى دقّ باب البيت، فتحت البَاب فإذا بثَلاث نساء فِي وجهِي:
* أهلا وسهلاً...
- هل هذا منزل أمل !!
*أجل، تفضلنّ.
أسرعت لأخبر والدتِي ثم توجَهت لأمل.
-
* أمل!! أمل !!
- ما بِكِ؟؟
* جاءنا زوار لأجلكِ.
- أنا. ؟!
مَن. ؟!
* ثلاث نِساء.
- تبّاً، متَى ستنتهي هذه القّصة؟
* أمل. ؟!
- نعم.
* إلى متى ستبقين هكذا؟ وحيدة، كئيبة، ظالمة
بحق نفسك وفي حقنا كذلك، ألم تتخيّلي يوما مقدار السّعادة التّي سنحصُدها عندما نراك
بالفستان الأبيض كالأميرات ...
-اُصمتي، لا أرغب بذلك.
-
* حسناً، كمَا يحلُو لكِ، لكن لا تُحرجِي
أمّي على الأقل.
جلست أمل مع الضيوف حتى انتهت زيارتهم.
وفِي صباح اليوم التالي أشرقت الانوار،
ولون الشمس الذّهبي كان على غيْر العادة، شعْرت بأن هُناك شَيء جمِيل في انتظارنا،
أو لربما في انتظار أمل.
ذهبت أمل لعملها كالعادة، حينها رأت أحمد
جالس على حافة باب المؤسسة وكأنّه كان ينتظِر أن تطِل عليْه كما يطِل هِلال رمضان.
*السلام عليكم.
- يا مَرحبا بكِ يا أمل وعَليكُم السَلام
والرحمة
-
- امممممم، امممممم.
* ماذا هُناك ...!
- أ، أ أ أمـ، أمل ...!
* لمَ تتلعثم هكذا؟ أتُريد شَيئاً. !!
- اممممممم.
* رجاءً، لا أملِك الوقت كي أضيعه؛ أستأذن.
- لحظة، لحظة؛ بالأمس أرسلت والدِتي لمنزِلــ
...
مُقاطعة له: * ماذا ... ؟؟!!
- فقط اسمعيني.
* ماذا تقُول أنت ... !!
هَل فقدْت صوابك، كَيف أمكنك فعل ذلك حتى
بدون أن تأخُذ رائيي ؟؟
- اسمعيني رجاءً، واهدأي قليلا، أفسحي لي
المجال لأشرح لك الأمر.
* نعم. !!
- أمل، أنا حقا مُعجب بكِ، وأرغب في الارتباط
بكِ.
* ما هذا الهراء ؟؟!
- هل كلامِي هُراء. !!
* أجل، فأنا لست معجبة بأحد، ولا أرغب في
الارتباط بأي شخصً كان. عن إذنك. تركَت أمل أحمد لوحده جالساً ينوب حظّه، بدا حزيناً
جداً وقد أوشك أن يصبح أسيفاً بكاءً.
أرديتي يا أمل ماذا فعلْت بذاك الرجل، لقَد
وجعتي قلبا يهواكِ كما وجعكِ إسماعيل.
.
أخذ أحمد إذناً من المؤسسة، وهذِه
المرة هو من زار منزلنا وليس والدته، جلس مع أمي وكُنت أسترق النّظر إليه، وأسترق
السّمع، كما يفعل الأطفال الصّغار.
ماذا أفعل. لقَد كان رائِعاً.
طالت جلستُه، ولم ينتبه للوقت، حتى أتى
موعد وصُول أمل.
دخلت أمل المنزل ورأته أمامها ما كان من
أحمد إلا أن يقف احتراما لها؛ ولكن أمل تصرفت تصرفاً غبياً هذه المرّة قائِلة: أنت.
!! ماذا تفعل هُنا. !؟
ردّت عليها أُمّي موبخه لها: أهكذا نعامِل
ضيوفنا ...؟
- أسفه.
أحمد: لا بَأس
تقدمت أمل خطوتين باتجاه غرفتها.
قال أحمد: أمل أريد التحدث معكِ بعد إذنكِ.
جلست أمل دون أن تحدث أي ضجة، وكَأنها
فراشة هادئة مالت على وريقة زهْرة.
- أمل؛ بالأمس أرسلت والدتي لخطبتك، ووأنا
أرغب في الزواج بك.
-
- أمل أنتِ حقّاً تُعجبينني.
* وما الذّي يعجبك بِي فأنا لست جميْلة
كـ مريـ ...
- أنتِ جميلة بالحد الذّي يغنيني عن باقِي
النساء.
*لا تهزأ بِي.
- ومن قال إني أهزأ ؟!
أنتِ حقاً جميلة فِي نظري بكل شَيء، جميْلة
جداً.
سُبحان من جمّلك بقلبِي.
كَـ حبات الكرز أصبحت خدّاها، تورّدت ملامح
وجهها كالوردة الجورية الحمراء، أحنت راسها باتجاه الأرض قائِلة:
* شكرا لك، وماذا تريد الآن. !!
- أريدكِ زوجة لي.
* أنت الرجل الذي تهتف باسمه الفتيات، الكثيرات
يرغبن بك، والباقِيات مُعجبات بكَ.
لِم اخترتني أنا من بينهِن مع أنّ هناك
الكثِير أجمل منّي. !!
- رأيت فيك ما لم أره في غيْركِ، رأيت فيكِ
نصفا يُكملني، أنتِ يا أمل باختصار: أملي ونصفِي المفقود وقد شاء الله أن ألتقِيك. و أنا لا
أرى أنثى غيْرك ..
*هـــه. !! بلا ترهات.
- أتوافقين على الزّواج بي. ؟!
* مُستحِيل.
- ولمَ لا.
هل أنا لا أعجبكِ حقا ...؟
هل أنا لا أروق لكِ ؟؟
هَل ينقصنِي شيء. ؟!
ماذا بي أقل من غيْري. ؟!
* لم أقصد ذلك.
لا أرغب في الارتباط بأحد، أرجُوكَ ...!
وأعتقِد أنه قد انتهى النّقاش.
خرَج أحمّد وهو يجر خلفه أماله التي لطالما
بناها منذ أن ألقى الله فِي قلبه محبة أمل،
خرج أحمد وفي قلبه تضارب شُعوري بين أن
يذرف الدّمع ليهطل كالمطَر، فعيناه مُلبدتين بالدّموع كما الغيوم في فصل الشتاء القارص.
وبين أن يدعُو الله بأن يبدّل رأيها فأمْره
بين الكاف والنون إذا أراد شيئاً قال له
كُن فيكون.
لمعَت في عقل أحمد جملة سمعها ذات مرة من
صدِيق:
فالتفت أحمد لأمل
- أأقُول شيئَاً ...؟
*تفضّل.
- " فعلٌ ما قد لا يقُودنا إلى السّعادة،
ولكن لا سّعادة بدُون فعلٍ ما. "
" هُناك من يهدِيك الحب دون أن تهدِيه
شيء، وهناك من يهديك الألم والخيبة، بعد أن تهديه كُل شيء ...!
خرج أحمد وهُو يجر ذُيول التعاسة علَى أكتافِه
التّي باتت مُثقلة.
كُنت أسترق السّمع والنّظْرات بين الفينة
والأخْرى، وتمنّيت أن أخْرج وأصْرخ بوجه أمل البلهاء: أيتها الغبية إنّ فِي قلبه حُب
أكثَر من الحُّب الذّي رأيته في عيناكِ لإسماعيل.
أبدلَت أمل ملابسها وجلست على مائدة الطعام،
لم تخْرج كلمة واحدة من شفاهنا أبداً، وقد كَان اليَأس الشّدِيد متأزّم عنْد أمّي،
لمْ يُعجبها تصرّف أمل، ولم يعجِبني أنا أيضاً، لكن أمل أختِي الكبيرة، وكُل ما باستطاعتي
فعله هُو إبداء رأيي ولها الحُرية الكاملة.
..
عادت أمل وتناولت كتابها الأزرق، وبدأت
ألتفت إليها، أراقب أناملها الرقِيقة، شعرتُ بتوتر تهتزّ أطرافها بسببه، لم تستطِع
أن تُخط حرفاً، كَأن هناك صراع بين العقْل والقلْب، وبإنتظّار الفائِز، الذّي سوف يطغَى
على الاخَر، الذّي سيكُون هُو الحاكم الذّي يمتلك السُلطة، دائماً ما يفُوز القلْب
لأنّ بداخلنا ضعفاً كافياً لنسلّم أمورنا له،
أغلقت أمل الكتاب، وألقت براسها على وسادتها
راجية من الله أن تنام قليْلاً، مع أنّني على يقِينً تام أنّها لن تستطيِع النّوم،
وسيظْهر الخيط الأبيْض من الخيْط الأسود من الفجْر والنوم لم يحتضن عيناها أبداً.
تنفّس الصّبح، وبدأنا نهار جدِيد، لا نعلم
ماذا يخبئ لنا فِي طيّاته،
جهّزت أمل نفسها، وغادرت المنزل متوجهة
لتنال رزقها.
كَان أحمّد بانتظار مبادرة منها، لكنهّا
لم تعرْه أي اهتمام، وحتّى لم تنظُر إليه.
مرّ اليَوم واليومين، والأسبُوع والشّهر
والشهرين، وما زال الوضْع كما هُو عليه لم يتحرّك به ساكِن.
..
بعْد مُرور هذِه المُدة أتى أحمّد لزيارتنا،
في الفترة التّي تكون فِيه أمل في العمل، كان حاملاً فِي يده زهْرة اللاوندا البيضاء،
استغربت منه، وسألته:
- أهذه الزهور لأمل ...!
*أجل.
- لكِن ...
*لكن ماذا ...؟
- كيف عرفْت أنها تعشَق هذه الزّهرة. ؟
*عرفْت بفضْل الله.
- حقاً كيْف.
أخبرني.
* رأيتها فِي منامِي وكان على وجهها النقّي،
الصَافِي فتات من هذه الزّهرة، كُنت دائماً ما أدعو الله، وليلتها طلبْت من الله أن
يفكّ النّحس هذا، ورأيت الرؤيا، سُعدت كثِيراً من الرؤيا، وكأننّي قد وجْدت مفتاح حياتنا.
- أنت رائع ...!
* شكراً لك.
مرّت السَاعات، وأتت أمل، ما أن رأت الزهْرات
حتّى كادت تصبح ك المغشّي عليه من الموت.
ذُهلت من تصرّف أحمّد، الزهْرة هذه نقْطة
ضعف أمل، تنسَى كُل شِيء بمجرّد ما تراها، وتشتمّ عطْرها الأخاذ.
نسِيت كُل شَيء، نسِيت جُرحها، وألمها
فِي هذِه اللحظَة.
*شكْراً لك يا أحمد، حقاً شكْراً.
- لا تشكُريني، فهذِه الزّهور لكِ وليْست
لغيْرك.
* ارتسمت على وجه أمل ابتسامة بانت منها
نواجذها، وظهْرت بكُل وضُوح وفتنة غمازتها التّي أخفتها الأيام الكئِيبة.
- أمل، أتتزوجيني ...؟
* هل تقبل بأن ترتبط بفتاة متيمة عشقاً
برجل غيْرك، وليس بإستطاعتها أن تتقبّل رجلاً أخر. ؟!
- سيصبِح باستطاعتك (ذاتَ يوم) .
* أعرف نفسِي.
- وأنا أيضا أعرف نفسي جيداً، سأكُون معكِ
دوماً، سَأنسيك إياه، سَأكون أنا فقط فِي حياتكِ، لكِن امنحِيني فُرصة، فرصة واحدة
فقط. صدّقيني، لن أسبب لك جرحاً قط.
* اممممممم.
- ماذا.
*أعطني مجالاً لأفكر بالأمر يومين.
وربما سنتين
- لا بأس سوف َأنتظر ردّك بشَغف المُهم
أن تقبلي بي زوجاً لكِ ...
أجابت أمل ورأسها للأسفل وتكاد خدودها تنفجر
إحمراراً لشدة الخَجل.
*أنا أُحب الزهرة هذه، وأحببتك أيضاً ورضيت
بك شريكاً لروحي وحياتي ...
النهاية.
0 التعليقات:
إرسال تعليق