"ساميّات(1) (وقوف على أطلال الروح)" ✒ سامي الأكوع


#وقوفٌ_على_أطلال_الروح
ـــــــــــ
ذات يوم وقف قائد الشعراء الأول على أطلال روحه وماضيه وهتف قائلا :
(قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ
بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ)
ومنذ تلك اللحظة الفاصلة في تاريخ الشعر العربي لم تهدأ أرواح الشعراء عن إعادة صياغة هذا المعنى المتجذّر في كل إنسان.. كلٌ منهم بحسب مبلغه من الشعر والجمال. ولن أعيدَ هنا كل ما قالوه، بل سأكتفي ببعض الأبيات محاولا اكتشاف شيء من جمالياتها وصولا إلى بيتين لمجنوننا التائه في ليلاه حتى الموت.

وربما كان من أشهر الأبيات الدائرة على ألسن الناس في هذا المعنى هو بيت أبي العتاهية :
(فيا ليت الشباب يعود يوما ً
فأخبرهُ: بما فعلَ المشيــب ُ)
ولأنّ أبا العتاهية كان أقرب في لغته إلى عامية الناس التي يستخدمونها في حياتهم اليومية،  صار بيته أقرب إلى الناس ..حتى ليكاد يعرف هذا البيت الطفل قبل الشيخ.  ومن الأشياء اللطيفة التي مرت بي أن قرأت يوما على مواقع التواصل كلاما عن هذا البيت لا أدري لمن نِسبتُه يقول :" نحن الجيل الوحيد الذي لن يقول : ألا ليت الشباب يعود يوما .." وذلك لحجم هذا الخراب والوجع الذي نعيشه هذه الأيام في شبابنا ..وهذا الكلام وإن كان صادقا في تحليله المنطقي لكنه غير واعٍ لطبيعة الإنسان المتلهف دوما إلى ماضيه،  أيًّا كان هذا الماضي. فالإنسان بطبعه كائنٌ " ماضَوِي " ، يرى مثله الأعلى وجنته المسلوبة دائما في ما غبر من أيامه،  وذلك لسبب بسيط فالحاضر دائما غير ما يشتهيه الإنسان -فالإنسان أيضا كائن ساخط دائما وأبدا - والمستقبل مجهول،  فلم يبقَ أمامه ليرضي حاجة في نفسه إلا الإلتفات للذكريات، والذكريات صدى السنين الحاكي كما يقول شوقي رحمه الله.
ولأن شعر الحنين إلى الأيام الخوالي محببا إلى نفوس الناس - حتى أن ابن سلام الجمحي يعيد سبب وقوف الشعراء على الأطلال في بداية قصائدهم إلى محاولة جذب المتلقي وكسب تعاطفه لأن هذا المعنى يشده إلى لذاذة أيامه الماضية - بسبب هذا الشيء فإن هذا النوع من الشعر يأتي كثيرا بدون أي صور بلاغية وحبكة لغوية تحتاج إلى تفكير وعمق ومن ذلك قول جميل :
(ألا ليت أيام الصفاء جديدُ
ودهرا تولّى يا بثين يعودُ)
فالشاعر هنا يضعنا مباشرة أمامَ المعنى.. لأنه قريب إلى أنفسنا ومحبب إلى ذواتنا. وربما كان هذا البيت بالتحديد هو ما أعاد صياغته أبو العتاهية في بيته السابق.. ولو كنا في لحظة معينة في تاريخ النقد العربي لقلنا : "إنها سرقة شعرية فاضحة من أبي العتاهية" ، لكن النقد اليوم ابتعد عن هذا المصطلح الذي يُشهِّـر بالشاعر دون فهم للعملية الشعرية من الداخل، واختار بدلاً منه مصطلح "التناص" ، "فالمعاني مطروحة في الطريق وإنما مجال المنافسة في تخير الألفاظ وصياغتها" كما يقول الجاحظ رضي الله عنه. ويحضرني الآن كلامٌ لـ"رولان بارت" يذكره الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه المدهش والعميق "الخطيئة والتكفير" إذ يقول : "إنّ الطلائعية ليست سوى شكلٍ مطور للماضي، واليوم انبثاق من الأمس " ثم يستمر الــغــذامـي مُعلقا على هذا الكلام بقوله :" فالمتنبي مخبوءٌ في شوقي وأبو تمام في السياب،  وعمر بن أبي ربيعة في نزار قباني.....(فـ) كل نصٍ أدبي هو حالة انبثاق عما سبقه من نصوص تُـماثله في جنسه الأدبي .." . وهذا المعنى بالذات هو ما فهمه المتنبي قبل أكثر من ألف سنة حين اتهموه بالسرقة الشعرية فقال " الشعر جادّة، وربما وقع الحافر على الحافر " ، وبالتأكيد فقد وقع حافر المتنبي في هذا المعنى ذاته على حوافر من سبقوه حين قال :
(ليت الحوادث باعتني الذي أخذت
مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي)
لكن المتنبي الشاعر العالم الفيلسوف لا يمكن أن يمرّ هذا المعنى من بين شفتيه دون أن يضع عليه بصمته الخاصة، إذ يمعن نظره فيرى أنهم إنما يمدحون المشيب لكون الإنسان يصبح فيه أكثر حكمة وحلما، وأن الشباب حمق وسفاهة.. لكن هذا المعنى لا يثبت أمام فلسفة المتنبي فالحلم قد يوجد في الشاب والشيخ فلا دخل للسن هنا أبدا :
(فما الحداثة عن حلمٍ بمانعةٍ
قد يُوجد الحلم في الشبان والشيبِ)

ولا يمكن لنا أن نمر على هذا المعنى.. معنى الحنين إلى الماضي والتلهف إلى الأيام الجميلة دون أن نذكر أبيات شوقي التي كلما سمعت فيروز تصدح بها أحسست أن ملائكة تقف أمامها مـُـعيدةً تشكيل صوتها الملائكي وتحميله مع كل كلمة معانٍ سماوية، وجنونا شهيا وروحانية لا تُـطاق.. وهذه الأبيات هي :
(يا جارة الوادي طربتُ وعادني
ما يُـشبه الأحلام من ذكراكِ
مَـثّـلتُ في الذكرى هواكِ وفي الكرى
والذكريات صدى السنين الحاكي)
وأعتقد أن هذه القصيدة تحتاج وقفة أطول َ لا يُشاركها فيها سواها -وهذا ما أنوي فعله ذات يوم -.
أما إبراهيم ناجي صاحب الأطلال التي كان تسميتها بهذا الإسم ذكاء منه، فرغم أنه لا يقف في مطولته هذه على أي طلل مادي حسي،  لكنه يقف على طلل روحي وعاطفي يلامس أرواحنا جميعا خاصة بالصوت الكلثومي الشهي.. وإبراهيم ناجي رغم أن لي رأيا خاصا في شعره، إلا أنه يلامس أروحنا المتلهفة للحب والعاطفة والجمال في كثير من قصائده، ولن أذكر هنا أي بيت من طلليته،  بل سأقف عند بيتين يرتبطان بالمعنى الذي تدور حوله الأبيات الماضية التي ذكرتها،  ثم إن هذين البيتين قريبان إلى روحي كثيرا، فأنا أكاد أرددهما في معظم أوقاتي وهما :
(كل شيء صار مُـرّا في فمي
بعدما أصبحت بالدنيا عليما
آهِ من يأخذ عمري كـلـهُ
ويعيد الطفلَ والجهل القديما)
وشاعرنا هنا يعيد صياغة المتنبي والتناص معه بوعي أو دون وعي..فالبيت الأول هو حاشية جميلة على بيت المتنبي الذي يقول فيه :
(ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعم ُ)
فالعقل والعلم دائما هما سر الشقاء.. لأن العاقل لا يمكن أن تمر بها أحداث حياته دون أن يتساءل : لمَ? وكيف? ..أما الجاهل فما هو إلا حيوان لطيف يعيد تمثيل الدور الذي مثله آباؤه الأقدمون من أكل وشرب ونكاح دون التوقف لحظة واحدة للتأمل في الطريق ونهايته. ولعل ابن الراوندي ذلك المتصوف المتهم بالزندقة أحد الذين وقفوا متحيرين أمام ثنائيتي العالم والجاهل، والشقاء والسعادة إذ يقول :
(كم عالمٍ عالمٍ أعيتْ مذاهبهُ
وجاهلٍ جاهلٍ تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأذهان حائرةً
وصَـيّـرَ العالم النحريرَ زنديقا)
أما "ناجي" فيؤكد هذه الثنائية ضمنيا في بيته الثاني " آه من يأخذ عمري كله.. ويعيد الطفل والجهل القديما " لكنه يعاكس المتنبي تماما. فالمتنبي يتمنى العودة إلى شبابه آخذا معه حلمه وتجاربه " قد يوجد الحلم في الشبان والشيبِ" ، لكن ناجي يريد العودة إلى أيام الصبا تاركا تجاربه وعلمه خلفه فهما مصدر الشقاء. أما الجهل القديم حيث لا تفكير ولا تأمل، إنما هو انغماس في الحياة ولذائذها التي لا تنتهي.. فهو المتعة والسعادة ذاتها.

أما البيتان اللذان أخذاني في هذه الرحلة بين صفحات الشعر العربي فهما بيتا قيس ذلك المجنون المبدع وهما قوله متماهيا مع الطبيعة التي تذكرهُ بالزمن الجميل :
(تعَلَّقتُ ليلى وهي غِـرٌّ صغيرة ٌ
ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ
صغيرين نرعى البُهمَ ياليت أننا
إلى اليوم لم نكبر.. ولم تكبرِ البهمُ)
فرغم أن شاعرنا يتناص مع امرئ القيس قبله ومعاصره جميل، ويكاد يكرره من أتوا بعده.. لكنه ينفرد عنهم بلفتة لطيفة ٍ جعلت المعنى أسمى وأوسع وأعمق. وصحيح أن قوله " صغيرين نرعى البهم.." يثير في النفس الطفولة التي لا تنمحي مع الزمن، ويمثل أمامنا تلك الأيام اللذيذة التي كنا نخرج فيها صغارا وراء مواشينا الصغيرة حيث الطبيعة والبكارة والسعادة التي لا تُحد..  وأن قوله " لم يبد للأتراب من ثديها حجمُ" صياغة مدهشة تشير إلى تلك المرحلة التي تختلط فيها الطفولة بأوهام الأنوثة المشتهاة، ورغم أن لفظة "الثدي" دائما ما توحي إيحاء جنسيا عندما ترد في الشعر، لكنها هنا أبعد ما تكون من ذلك المعنى.. وصحيح أن عبارته " يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر.. " هي عبارة يكاد يرددها معظم الشعراء وحتى الناس العاديون في حياتهم اليومية.. لكن ختامه للبيتين بقوله " ولم تكبرِ البهمُ " كانت تساميا بالمعنى، وقلبا جميلا للصورة المتكررة يجعلها تنفرد وحدها تمثالا من الدهشة والإبداع.. فعندما كان بقية الشعراء يتمنون العود للماضي هكذا بكل بساطة، كان المجنون ينشدُ شيئا آخر.. إن يُريد للزمن أن يتوقف عند لحظة معينة، يريد للكون أن يكف عن الدوران ، وللبهم أن تبقى صغيرة إلى الأبد مع صبييها العاشقين.
ولا أدري لماذا كلما رددت هذين البيتين أحسست بلذة وألم وسعادة وكآبة.. فمن منا لم يهمس من أعماق أعماقه في لحظة معينة من الصفاء والسعادة الغامرة : قف أيها الزمن الجميل...فلأن الحياة لا يمكن لها أن تستمر في خط مستقيم، فإننا نخاف أن تنقضي سريعا ساعات الحب والجمال، وعندما تنتهي نظل في حنينٍ إليها إلى الأبد..والإنسان العربي منذ وقف امرؤ القيس مناشدا أطلاله،  ما زال يحمل أطلاله في داخله، يقف أمامها سافكا روحه ودموعه كلما اشتد به الحنين.

#سامي_الأكوع
11/7/2019

شاركها في جوجل+

عن البراء القاضي

0 التعليقات:

إرسال تعليق