متى تنسى الحروب الإنسان/أصيل إيهاب

إنه من المبهر أن لا ترى نهايه البحر البشري الوطني المقدس للأرض ,

كان الجميع ينتظر الرئيس المنتخب وبعد ثوانٍ صعد الرئيس على المنبر فحل الصمت بالتدريج حتى استطعنا جميعاً أن نستمع - ولأول مرة - لضوضاء الطبيعة دون البشر,
قال فخامته : اليوم نغتال الحرب كما اغتالت هذه التربة، ونسقي كل حفرة صنعتها القذائف لنزرع فيها الياسمين.
اليوم نصلي للأرض وللحضارة، و نصلي لكل الراحلين في سبيل الوطن,

صفق الحشد الجماهيري بحرارة كما فعلت، وقذفوا الرئيس بالورود وكانت الهليكوبتر تمطرنا بالأعلام الوطنية وكنا,

جميعاً نياماً نَكذب فنحقق حلم الديمقراطية المنشود ، ونشري مصانع من خيال، ونبني العقارات، ونبحر دون وجهة.

جميع الشعوب تصلي للتطور، ولكن هناك القليل من الناس يعمل لأجلها.
بشر يضعون توقيت المنبه اليومي على السادسة صباحاً كي تشرق أحلامهم مع الشمس، ثم يذهبون للحياة في الشوارع والممرات والأزقة رافضين العجز والوهن وحصار الأزمات.
وبما أن الاختلاف سنة الكون فهناك في العالم البائس من يعيش الحروب رغم السلام، وهناك في العالم الجميل من يعيش السلام رغم الحروب .
العاكفون في سبيل البناء والتطور معصومون من الموت وإن رحلت أرواحهم إلى السماء، و التاريخ ممتلئ بالأرواح التي لم تمت منذ آلاف السنين ,  وعلى سبيل وهن الحروب فهي لم تقتل يوماً الإنسان بقدر ما قتلت الأمنيات و أمل الكفاح وأحلام البسطاء، ولم تكن الخسارة الكبرى عدد القتلى في العالم فكل السجلات تدل على أن نسبة القادمين إلى الحياة أكبر من نسبة الراحلين منها.

في يوم من الأيام أشترى غاندي تذكرة في الدرجة الأولى وكان ويرتدي ملابساً فاخرة ، وفجأة حين شاهده أحد الإنجليز على القطار قام بتحريض رجال الأمن وقاموا بجره لمقاعد الدرجة الثانية وضربه وإهانته زاعمين أن الدرجة الأولى فقط لأصحاب البشرة البيضاء.
بعد سنوات من هذا الحدث، أصبح يوم ميلاده يوم اللاعنف الدولي وقاموا بإضافة " المهاتما " قبل اسمه وما يعني " الروح العظيمة" تكريماً لروح الإنسان الذي عاش لخدمة البشرية.
لم يكن غاندي قائداً للجيوش ولا بائع حرب متسول ، كان فقط صاحب مبدأ، عاش عليه وسُجن مرات عديدة بفترات طويلة لأجله، وصام واعتصم وعلم الشعوب أن لا قوة للسلطة أبداً أكبر من قوة الشعب, تم اغتيال جسدة من قبل أحد المتطرفين دينياً وبقيت روحه خالدة في التاريخ، وفي الأرواح، وبقي رمزاً ثورياً ثرياً بما أعطى.

تنسى الحروب الكثيرين.
العمال في المصانع ليلاً ونهاراً دون تذمر على أمل الغد الكبير، والكادحين في الأراضي استعداداً لموسم المطر، والفنانين الذين يرسمون بالموسيقى أعمدة ضوء وإنارة، والأدباء سادة الورق، والفقراء المثقفين الذين يعرفون قيمة اللحظة وقيمة الكتاب وقيمة الوجود.
تنسى الحروب الأمهات المناضلات اللواتي يجلسن قرب النار لأعداد الحياه كل يوم على مهل ورخاء، ينجبن الأطفال فيصنعن الأبطال.

الحروب معكوس الحياة، والحياة موجودة كلما وصل الأذان إلى المسلمين، ونادت الكنيسة باباتها، وآمن المؤمنون، و وحد الموحدون، وعاش الناس رغم اختلاف الدين، والحضارة، والعقيدة، والفكر، والفكرة.
الحياة موجودة كلما ذهب الأطفال إلى المدارس، وكلما ارتفع صوت النشيد الوطني في طابور الصباح، و كان العلم رسالة الأمم، وكتاب العالم المتحد المقدس.
تنسى الحروب أولئك الذين يجعلون الكتب لحاف برد الحاجة، و يدفنون اليأس تحت صناديق المقتنيات.
لا تقتل الحرب فقير المال. تقتل الفقراء  علماً، وفقراء العفة. أولئك الذين يصنعون من أبنائهم مشاريع تسول كي يكبروا و يصبح سيدهم بائع حرب، وفقيرهم بائع شرف، وأكثرهم دهاءً بائع وطن.
لا تقتل الحروب أحداً، ولكن العنصرية تقتل، والتميز الطبقي يقتل ، والجهل يقتل، والركود الفكري يقتل، والخيانة الوطنية تقتل.

- متى تنسى الحروب الإنسان؟
تنساه حينما لا ينسى الأرض، وحق الأرض، وقوة اليد على الأرض، وقدرة التفكير في إعمار الأرض، وحين يعيش ويموت لأجل الأرض ولأجل المبدأ والفكرة والأمل .
أصيل إيهاب

شاركها في جوجل+

عن غير معرف

0 التعليقات:

إرسال تعليق