القرية مقبرة المواهب ؟!
اليوم _ عرفت لماذا كانت جدتي تبكي وهي
تسمع تلك الأغنية اليمنية القديمة ..!
أغنية يعتقد أن الكثير من أبناء اليمن يعرفها ..
أغنية تحكي قصة رجل قروي
تزوج بعد عناء طويل ، وفي أول ليلة من ليالي العمر ، لم يستطع أن يتكلم في الحب، ولا في العشق و الهوى؛ لأنه قروي !
وعندما أراد أن يكسر الصمت ،
طلب من زوجته أن تتمنى !
فقالت له :
أشتي ذهب .. و أشتي ثياب .. واشتي عطور .. واشتي خظاب .. واشتي المدينه شسكنه .. ماشتيش اني القرية عذاب ..
فقال لها الزوج :
ماناش أنا تاجر كبير .. وعندي رصيد وأموال كثير .. من أين أجيب لك تسكني ؟!
فقالت : أنا المدينه منيتي .. فيها الهنا وهي جنتي .. القرية وا زوجي تعب .. مالقيش أني ذا راحتي ..
ماأصلحش أني أكون راعيه .. في الشمس واني حاليه .. أني خلقت للمدن مش للغنم والماشية
فما كان من زوجها إلا أن قال كلمته المشهورة :
ماشتدخليش .. ماشتدخليش .. وللمدن ماشتسكنيش .. آخر كلام هذا معي وعليا أنا لا تنخــطيش ..
وعندما رأت الزوجة أن زوجها قد رفض كل طلباتها ، انتقلت إلى أسلوب آخر رهيب وعجيب_ تطلب من زوجها الهدوء وخفض صوته، ومن ناحية أخرى تهدده قائلة :
اسمع وصلي على النبي .. أني المدينه مطلبي ..
إن اعجبك ولا خلاص رجعني اذا حيث بيت أبي !
_ مرت الأيام وظلت هذه الأغنية عالقة في ذهني
حتى ضاعت كل التفاصيل ..
هل كان طلبها محرماً ؟
ماذا لو كان حقق لها الطلب ؟!
ماذا لو أن الشاعر ابن الجهم سمع تلك الزوجة وهي تقول: القرية عذاب ؟
نعم .. ذكرتني هذه الأغنية بقصة الشاعر ابن الجهم ، حين ذهب مع الشعراء الأقحاح إلى " المتوكل " ليجرب حظه في الشعر ..!
صحيح أنه كان شاعراً إلا أنه كان فقيرا في مضامين شعره ؛ لأنه قروي ..!
فقير في الشعر والفصاحة فقر البيئة التي أتى منها !
ولما أراد مدح المتوكل قال له:
أنت كالكلب في حفاظك للودّ
وكالتيس في قراع الخطوبِ
أنت كالدلو لا عدمناك دلوا
من كبار الدلاء كثير الذنوبِ
ابن الجهم _ مسكين .. على نيته !
أما المتوكل _ غضب، وحمّر ، وصفّر ، وخضر ،
وعبس وبسر !!
وكأن ابن الجهم يقول في نفسه : هذا الحاصل يا مولاي
أما بقية الشعراء ،، سقطوا على الأرض من الضحك _ ووجدوها فرصة للتخلص من هذا القروي ؛ لأنه جاء ينافسهم في رزقهم !!
وظنوا أن المتوكل سيقتله ..!
لكن المتوكل كان حكيماً ، ضغط لايك أبو قلب للقصيدة وقال له : أحسنت .. صح لسانك ..
عرف أن الحياة التي عاشها ابن الجهم لا تنتج شعرا غير هذا ،
وأدرك أن القروي أراد أن يتجمل معه وأن يمثل معنى الوفاء ، فلم يجد غير أن يستشهد بالكلب ،
وأنه أراد أن يمثل معنى القوة فلم يستطع أن يشبه إلا بالتيس
وجاء ليمثل معنى الكرم فلم بجد غير الدلو !
المتوكل لم يقتله .. ولولا حكمته لقتله وقتل كل قروي ..!
بل أمر الخدم أن يضعوا ابن الجهم في قصر على ضفاف دجلة ؛ يرى الجميلات ويسمع خرير الماء
ويشم رائحة الورد والنرجس ويجالس بارد النسمات والسيندرلات ..!
حتى بدأت قريحته الشعرية تتهذب شيئاً فشيئاً ، وبدأت المعاني الجديدة تختمر في عقله رويداً رويداً ..!
وفي يوم من الأيام حضر مجلس المتوكل
فدارت بينه وبين المتوكل مشادة ، فغضب المتوكل ووضع يده على سيفه،
فاستدرك ( علي بن الجهم ) الموقف وأنشده قائلاً :
دع عنك ذا السيف الذي جردته
عيناك أمضى من مضارب حدّه
كل السيوف قواطع إن جُردت
وسيف لحظك قاطع في غمدهِ
إن شئت تقتلني فأنت مُحكمٌ
من ذا يسائل سيداً في عبده !
فضحك المتوكل، وعرف أن القرية مقبرة المواهب..!
وكما يقال : من يحكي القصة الأولى يختلف عمن يحكي القصة العاشرة !
في تلك الطبيعة الساحرة على نهر دجلة ، تراكمت الخبرة والمعرفة على ابن الجهم ،
وأكاد أجزم أن ابن الجهم
لو جاءه رجل من القرية يلقي عليه شعراً لقتله قبل أن يكمل !
القروي قروي .. يعيش في عزلة حقيقية !!
يستحيل عليه التواصل مع الآخرين
أو أن يقيم علاقة حتى وإن طمح في ذلك ..
فكيف تريد منه أن يعبر عن الأمانة والأخلاق بما لا يقل عن عشرة أسطر ؟
تختلف المدينة عن القرية ،
والفانوس يختلف عن اللمبة،
والمنضدة تختلف عن المخدة !
القرية تشبه قابيل ، إن صح التعبير ،،
تضربنا بعظم حمار في مؤخرة الجمجمة،
ضربة تسبب لنا ذبول وتعطب في الذاكرة !
أعترف أنني قروي .. وتستطيع القول بأن كل قروي أبله ، حتى وإن كان شاعراً !
أنا كقروي .. لا أستطيع أن أقيم أي علاقة حب، ولا أستطيع منافسة الشعراء والفلاسفة والأدباء..!
دعوني أعيش في صقلية ،
أو في طليطلة ، أو في جزر الكناري
أو امنحوني بيت انجليزي بسيط
وراتب شهري باليورو الأروبي
وزوجة من جزر الهافانا ملاك على هيئة بشر ،
وسوف تسمعون #عصام_الشوالي في القريب العاجل وهو يعلق على منشوراتي قائلاً :
أنا الذي نظر الأدباء إلى منشوراتي
وأطربت كلماتي من به مللوووو
0 التعليقات:
إرسال تعليق