"ما معنى أن تكون كاتباً ؟!" ✒ عبدالعزيز البتيك

ما معنى أن تكون كاتباً ؟!

ربما هو سؤالٌ غريب ، ولن يُجيبك عنهُ إلا القليل من الذين أدركوا قيمة الحرف ،وعرفوا منزلتهُ في زمنٍ اختلطَ فيهِ الغثُّ بالسمين ، ولم يستطع فيهِ الكثير من الناس التمييز بين الجيد والسيء ،والجميل والقبيح ..
وبينما يعيش عالمنا العربي تحتَ وطأةِ الحروب المستمرة ،وبرُفقة المآسي والأوجاع ظهر الكثير ممن شعروا أنَّ في أقلامهم قدرةً على التعبير والوصف والتحليل لتلكَ الحوادث ،فذهبوا يبحثون عن أبلغ العبارات وأجمل الكلمات وأعمق المعاني ; حتى أنَّهُ غلبَ على أكثر نصوصهم التكلُّف دون إحداث أي تغيير ولو بسيط في أسلوبهم ذلك ،ونتيجة لتلك الأحداث والتغيُّرات المُفاجئة التي جعلتهم يكتبون ويحلِّلون ويُعبِّرون ،اتضحَ جليَّاً أنهُ ليس بمقدورهم الاستمرار والمتابعة لأنهم لم يستطيعوا التعبير عما يريدون بشكل أفضل ،أو أنهُ لم يتم توجيهَ الحرف من قبَلهم في المكان الصحيح أو بسبب أشياء أخرى ، ولذلك كان عنوان مقالي ˝ ما معنى أن تكون كاتباً ؟ ˝ وبصيغة أخرى ˝ ما هي الكتابة ، وكيف يمكن أن أكون كاتباً ؟ ˝ ..
لن تكون كاتباً - يا صديقي - حتى تستشعرَ معنى ذلك ، ولن تستشعر ذلك المعنى حتى تدركهُ بقلبك أولاً ،ولن تدركهُ بقلبكَ حتى تعرفهُ وتصدقه جميع جوارحك ،ثم إنك لن تكونَ كاتباً أيضا ًإذا كنتَ قارئاً فقط ،والذينَ يقرأون لأجلِ أن يكتبوا لن يصبحوا كتَّاباً ،حتى وإن أجادوا ترتيب الحروف ورصف الكلمات ،وذلك لأن الكتابة بمعناها الحقيقي لن تصل إليها بالقراءة فقط ،بل هناك ماهو أهم من تسويد الصحف وإصدار الكتب ..

إنَّ الكتابة والكُتاب هما من أكثر الصعوبات التي تُعيق الباطل وتقفُ في وجهه وتمنعهُ من نشرِ فكرِه ،ولذلك فإن الكاتب الحقيقي هو من يقفُ في مواجهة الباطل في أي مكانٍ وفي أي زمان ،بل هو الكاتب الذي يبهرك بقوةِ طرحهِ وعمق تفكيره ووضوح رؤيته ،بالإضافة إلى الصعوبات التي تقف أمامه والمعاناة التي كان من الممكن أن تؤثر عليه ،لكنه ورغم ذلك استطاع أن يكتب للعالمِ كله ،استطاع أن يقف بشموخ وثبات ويكتب بقلمهِ الذي غُمس في محبرة العناء والكفاح ..

الكتابة وحيٌ يصدرُ من أعماقك ، وما من كاتبٍ إلا وهو
يخطُّ ما يُمليهِ عليهِ قلبه ،وما يُلهمه عليه ،وما أتعسَ الإنسان الذي يمتلكُ الحرف لكنهُ لٱ يستطيع توجيهه في المكان الصحيح ،وما أتعسهُ أيضاً حين يكون في صفِّ الباطل يكتبُ لأجلهِ ويعبر عنه ،وحينها يكون قد شوَّهَ الصفحات البيضاء بأسطرٍ ليتهُ وفَّر على نفسه عناء كتابتها  ..

الكتابة - يا أصدقاء -جهادٌ واستبسال ونضال ،الكتابة وقوف وثبات وعزيمة ،بل إنها مهمةٌ مقدسة ،ولكل كاتبٍ طريقة تميِّزهُ عن غيره ،إذا ما اكتشف هذه الطريقة وعمل بها فإنهُ سينجحُ وسيكون لهُ أسلوباً أدبياً مختلفا ،وإذا ما حاول قتل تلك الطريقة التي يتميَّز بها باستخدامهِ لأسلوبٍ آخر ،أو محاولتهِ تقليد غيرهِ ،فإنهُ سيصلُ إلى طريقٍ مسدودٍ ،وبذلك سيكون قد خسرَ نفسه وطريقته التي يتميَّز بها ولن يستطيع كتابة شيء بعد ذلك  ..

إن من يمسك قلمهُ ويكتب دون أن يقاطعهُ أحد ،وبدونِ أي رقابةٍ أو متابعة لما يكتبُ حينها ،فإننا بذلك نستطيع أن نصِفهُ بأنهُ كاتبٌ حر ومتميز ،إذ أنه لٱ يعمل لصالحِ مجموعة أو فئة ما ،فهو يكتب أفكاره ومشاعره ،لا أفكار ومشاعر غيره..
إياك أن تكون كاتباً مستأجَراً ، وإياكَ أن تكتب لأجل أن يُقال الكاتب الفلاني أو لأجلِ زيادة عدد مؤلفاتك ،إياك ثم إيَّاك أن تفكره بذلك ،إذ أنَّ الحروف لا يمكن أن تكون مجموعة أوراق مختبئة تحت غلافي كتاب ،أو منشوراً حصل على تفاعلٍ كبير في إحدى الصفحات ،بل هيَ معرفة وأمانة ومسؤولية ،وهي أيضا تحرير للفكر ،وتوسيع لمدارك العقل ،وثورة ضد الجهل ،ومقاومة في وجهِ الطغيان ..

لكي تكون كاتباً حقيقياً يجب عليك أولا أن تتجرد من أفكار ومشاعر غيرك ،أن تجعل لك طريقتك التي تحب أن تكتب بها ،وحين تحاول تقليد كاتبٍ آخر أو سرقة فكرة من أفكارهِ وربما نصٌ من نصوصهِ ،فإنك حينها ستفقد هويتك وأمانتك ومصداقيتك ،خاصة ونحن في زمن انتشرَ فيه لصوص النصوص ،الذين يتبجحون بنصوص غيرهم وينسبونَها لأنفسهم ،حتى أنه من يرى تبجحهم ذلك فإنهُ سيقف احتراماً لهم ولما يكتبون، لكنه حين يناقشُهم في أفكار تلك الكتابات سيُدرك أنهُ يتحدث مع عقولٍ فارغة ،وسيعرفُ حينها أن هوية تلك الكتابات لا يمكن أن تكون من نصيبِهم ،بل هي تنتمي لكاتبٍ آخر تم سرقة نصوصهِ ..

عبدالعزيز البتيك

#بُتيكيات

شاركها في جوجل+

عن البراء القاضي

0 التعليقات:

إرسال تعليق