القصة المشتركة الحائزة على المركز الأول" فوضى بانتظام"
الفريق:
(أميمة خليفة)
(ميمونة عبدالله)
(خلود حسين )
التقييم:
الفكرة 10
الأسلوب 9
اللغة 7
الحبكة 9
الإجمالي 35
القصّة..
ككل مجتمع ينتظر الصِّبية بعد علاقة صاخبة كان أبي ينتظر حضوري الحافل بالذكورة ،ينتشي في أحلامه برائحة الصبية كما في واقعه بأعقاب سيجارة .كان واثقًا جدا بأن الحظ بجانبه، مؤمناً بكون الأرض تدور حول الرجال ومنطقيتهم . أبي رجل حاد الذكاء ،قليل الحديث ،عصبي المزاج يعلم جيدا كيفية الحصول على مايريد .. منضبط كالساعة والقدر !
لكنني جئت فألقيت بأحلامه في الحاوية، كسرت ظهره بحضوري الأنثوي وبكائي الناعم، غاب عن المنزل أياماً عدة رافضاً رؤيتي حتى وضعتني أمي في حضنه قائلة له بأنه اختيار الرب وأن عليهما أن يقبلا مجيئي بنفس راضية وألا ذنب لي فتأملني لدقائق ثم قبلني وبكى محتضناً إياي .
ولدت في حيٍّ لم يشأ القدر أن يطلق له اسمًا فأسميته حي الرماد، بناياته المتدثرة لاتوحي بالحياة إطلاقاً، هكذا فكرت أول مرة شرعت في تأمله.. لا شجرة أو زهرة قريبة من هنا، يبدو كما لو أنه دخيل على هذه المدينة العقيمة، إذ يتفرع من شارع رئيسي تكاد لا تسمع فيه سوى سعال الموتورات وطبول السيارات، ثم يسقط نحو شارع آخر كما لو أن المدينة تتقاذفه بإهمال بين شوارعها لا تريد لأحد العبور منه، عشت فيه أكثر من عقدين من عمري.
أحب والدي أن يراني امرأة بألف رجل ، أرادني جيشاً وقائدا بذات الوقت .
أذكر أنني سألته ذات مرة عن سبب اختياره "سراج" اسمًا لي ، صمت قليلا وأتبع صمته قائلاً : أريدك نوراً وسراجا لا ينطفئ ، أريدهم أن يهتفوا كلما رأوكِ "إنها السراجُ في الألف ليل".
في عامي الخامس عشر ، توفي والدي ..
فقدانه باكرًا كان فاجعةً لي ولأمي ومرهقًا لها على وجه الخصوص، فقد كانت وفاته سببا في تدهور حالتنا المادية، وبما أن والداي كانا ينتظران ذكرا يحميهما، يرفعهما عند انحناء الظهر ويكون لهما عونا عندما تصبح الأيام حالكة السواد كانت خيبتهما كبيرة لحظة ولادتي، لا أنسى قول عمتي التي لاتفوت فرصة إلا و تنغمت في تكراره"ظل وجه والدك مسودًا لأيام بعد معرفته لجنس المولود"
لكن أمي دائمة الدفاع عني، كانت تحاول جاهدة دفع هذه الأقاويل بعيدا فتتمُّ حديث عمتي وتقاطعها لافتة انتباهي " لكنه سرعان مابدأ يتعلق بك يوماً بعد يوم، لم يكن والدك يجيد التعبير مثلك تماماً ، أصبح حبه لك جلياً وكذا تمسكه بك رغم مناقضته لذاته بذلك ، أنت المتغير الوحيد الذي شهدته عليه في حياته كاملة .
____________________________
خمسة أعوام مضت على وفاة والدي ...
لطالما أتقنت أمي الخياطة فصار لنا دخل لا بأس به من مهنتها و قررت أن أتعلمها، لم يكن أمرا سهلاً البتة ؛في أول مرة شرعت بتعلمها وخزت إبرة الخياطة سبابتي فصرخت من فرط الألم وأتتني أمي خائفة مسرعة ثم قالت: "هذه المهنة لا تناسبك يا سراج دعيها لي ولتركزي في دراستك"
رددتُ عليها: "ولكننا في الصيف يا أمي "
متظاهرة بالعصبية ،قالت : "لن تتعلمي الخياطة، اشتركي في أي نادٍ ، هذه الحرفة لاتاسبك يابنتي "
لحظتها ، عادت بي الذاكرة إلى الخامسة من عمري؛ ورغم صغر سني آنذاك إلا أنني أحفظ ذلك اليوم بتفاصيله ؛ يومها أمسكني والدي من يدي وأجلسني أمام الطاولة، لم أفهم ملامح وجهه حينها وأنا الطفلة ذات الخمسة أعوام ، بدا حازما جدا وقتها ،وضع من يديه صندوقا خشبيا على الطاولة ثم أمرني بفتحه.
كنت خائفة منه بعض الشيء ويداي ترتجفان وفي محاولة مني لفتحه أوقعته فصرخ بي فجأة وحمله من على الأرض ، قام بترتيب القطع التي لاعلم لي بماهيتها
سوى أنها مايقوم به أبي معظم الوقت .
لم أكن طفلة سريعة البكاء فقال مباغتاً شرودي : "هيا يا سراج .. لنلعب الشطرنج" عائدا لهدوءه العذب.
-"ماذا؟" قلت أنا.
-كأنما استوعب لحظتها أن من تجلس أمامه محض طفلة لا أكثر ،انحنى قليلا وقال .. انظري و شرع يشرح قواعد اللعبة "
"في أي فضاء رحت تسبحين ؟" جاءني صوت أمي ، مقاطعة شرودي متسائلًة .
"في عالم الشطرنج "أجبتها مبتسمة وقبلت رأسها ثم غادرت مسرعة دون إضافة شيء؛ كنت قد عزمت لحظتها على الالتحاق بنادٍ لتدريب الشطرنج.
_______________________________
كنت قد نسيت !!
وكيف لا أنسى ، مع كل هذه الأكوام من الهموم والثقل الذي تحمله أمي الآن بعد وفاة أبي ..
نسيت كيف تكون أرض اللعب ومسرحية التلاعب بالأفكار، كيف أكون المخرج الذي يملي علىالجميع أدوارهم
و أحتل دور البطولة في الوقت عينه "أنا قائد الجيش كما كان يقول أبي " .
إنه اليوم الأول .. استيقظت باكرا !
في الواقع لم يغف" الصبح " بي منذ مساء أمس،بعد أن كنت قد انضممت قبل أسبوع لناد اسمه "كش ملك " يبعد عن منزلنا بضع أحياء سكنية بعيدة تماما عم قد يقال عنه حياة .
أفقت من تيار أفكاري ثم تجهزت وخرجت وقد استودعتني أمي !
ها هو يتردد وجه أبي أمامي مصوبا جميع أفكاره نحوي مبلل تماما بعقائد قبيلته وجدي . مايشغلني الآن هو الوصول ، أتصبب عرقا كمن يخاف أن يبلل" سرواله" قبل امتحان !
ها أنا أقف طويلا أمام صالة الحرب .. الحرب التي لابد لي من خوضها تكريما لذكرى والدي .
مساء أمس ذهبت لحجرة أمي ، حيث تورث هذه الحجرة ضجيجا وحسا بعد أن سرق الموت صوت أبي ..هناك حيث الخيوط المتشابكة والمعقدة والمنصرمة على حد سواء! إنه التناقض بعينه ،الذي يفسر اختلاف ملامحهما .
فيما أتأمل كل هذه الضجة؛ فتحت درج أبي،
أخرجت أثمن ماكان يمتلكه "قطعته الخشبية المفضلة "وقمت بنفض الغبار عن ذاكرتها " إنه وجه أبي في كل فوز وهزيمة وفكرة .
كان الوقت متأخرا ومن الغريب جدا أني وجدت أمي على حالها هناك وسط البيت .. منهكة ،تشغل أصابعها بما تبقى من خيوطها أمام التلفاز ، ابتسمت لي ابتسامة هادئة قضمها الحنين بعد أن لاحظت "وجه أبي" بين يدي .
نظرت إليها مطولاً ثم فتحتها كمن ينتظر أن يجد أحدهم هناك مستوطنا فوق بلاطها .
قمت بترتيبها سريعاً ووضعت القطع بمكانها ، ستة عشر حجرا أبيضا ومثلها حجرا أسودا ، تلقائيا ومن دون تفكير .
"علمني والدي يوما أن الخطوات الثابتة لاتشكو من التردد أبدا ، فهي من تبادر إلينا وليس العكس في حين أن التفكير المطول هزيمة مخضبة بالحناء ".
بدأت باللعب ضد نفسي،كنت مختلطة الشعور متذبذبة النبضات لكن كل ماأفكر به هو التحرك واللعب .. فقط اللعب دون توقف .. ياإلهي كم هي جميلة العودة للوطن !
سرعان ما اكتشفت أنني كخرم الإبرة ماإن يمر منها الخيط مجددا حتى تعود ذاكرته ليمارس ميكانيكية العمل بذات الإتقان والكيفية .. قفزت حينها تغمرني السعادة .. قفزت بصوت عال أنا أجيد الخياطة ياأمي أجيدها .. أجيدها .. !!
نظرت أمي إلي نظرة استخفاف يعلوها ضحكات أم كنت أظنها تغيب أبد الدهر "
__________________________
قبل أسبوع ...
مرحبا- هكذا وقفت عند صالة الاستقبال قائلة-
أردفت تحيتي بأنني أريد أن أسجل كعضوة في النادي..
رأيت الصدمة على وجوه الحاضرين هناك
كون امرأة تريد التسجيل في نادي الشطرنج الخالي من النساء لم يكن أمراً مألوفا !
سألني باستغراب: "هل أنتِ من سيسجل في النادي..؟"
أومأتُ رأسي مجيبة إياه "أجل"
قال معارضاً: "ولكنكِ ترين بعينيكِ أن النادي خال من النساء.."
كان توضيحا سخيفا ، لم أرغب مطلقا بمجاراته
قلت بنبرة هادئة وتحاملت بابتسامة صفراء : نعم .. يبدو ذلك واضحا .
امتعض متمتما وببساطة دلني على مكتب المدير لإجراء مقابلة لإتمام قبولي .
صعدت للطابق الثاني، وجدت لافتة المكتب البرجوازية _نوعا ما _ مباشرة عند بداية الممر ، طرقت الباب .. سمعت صوتا يدعوني للدخول دفعت الباب ودخلت ،كان مكتباً راقياً ، ألوانه متناغمة بين الأبيض والأسود تماماً كما هو حال الشطرنج، بمقاعده الجلدية السوداء، ومجموعة شهادات التكريم المعلقة على حائطه والتي تدعوني للذهول والفضول لمعرفة من ياتراه خلف هذا الترتيب .
عينان غائرتان ، لأول وهلة تشعر أنك وقعت لآخرها
بحثا عما يختبئ هناك ، شفتان مهذبتان تردان التحية بأحسن منها " فهل كنت أول فريسة تدخل الغاب لهذا اليوم "
_"تفضلي بالجلوس ..
هل لي بمعرفة اسمك ؟و عمرك؟"
_كان واضحا على حديثة استغراب عام ليس من الصعب تفسيره ، لربما يستغرب كوني فتاة أيضا !
"سراج عبدالقادر منتصر "
إحدى وعشرون عاما
_ لماذا اخترت ممارسة الشطرنج ؟
_نحن لانختار هواياتنا، في الواقع هي من يقوم باختيارنا .
_ماهي قطعتك المفضلة ؟ ولماذا؟!
_أظنها أرضية اللعبة .. اما القطع فلا أميل بالخصوص
لقطعة معينة .
_لماذا ؟!
_أحب الوقوف على أرض صلبة؛ وهي تمثل لي ذلك ربما !
_هل تعلمين أنك المرأة الوحيدة التي قدمت طلبا للقبول منذ تم افتتاحنا للنادي؟
_إذا أظن أن عدد النساء مكتمل على هذا النحو "
قال وعلى وجهه ابتسامة مبهمة كمن يعرض مواعدة إحداهن ..
_حسنا ؛ موعدنا الأسبوع القادم ..
... وقف وأوصلني للباب .
عدت للمنزل وبصدري جند من الأمان فاتحة ذراعاي لما هو آت ، بدا لأمي كم كنت فرحة تسبق ابتسامتي الكلام . وماكان لي سوى أن أتجهز لأول يوم لي في النادي كأحد أعضائه رسميا .
" ها أنا أقف طويلا أمام صالة الحرب .. الحرب التي لابد لي من خوضها تكريما لذكرى والدي "
خطوة واحدة تفصلني لما يسمى "البداية "
دخلت حيث طاولات اللعب والعدد الذي لابأس به من اللاعبين "الذكور فقط " ، بدت نظرات الجميع تلاحقني
وتنبس بالاستغراب وبعضهم بالرفض .
كان مدير قاعة اللعب ينادي على أسماء اللاعبين واحدا تلو الآخر لتوزيعنا على الطاولات وبدء المنافسات الابتدائية .. كنت مندهشة لجمال الصالة التي كان يقابلها دهشتهم تجاه وجودي وتجاه اسمي .
لم أهتم لجميع ذلك ، بدأنا الحرب .. اللعب أقصد !
كنا ننتقل من طاولة لأخرى ، عند التقدم على الطرف المقابل وكان الحظ لجانبي عدا في القليل من الجولات
التي كنت أعوضها مباشرة بعد كل جولة خاسرة .
لاحظت فجأة، صاحب العينين الغائرتين يلاحقني بنظراته ويراقب تحركاتي وطريقتي في اللعب ،حاولت ألا يشتت انتباهي شيء إلا أنه وبشكل ما فعل ذلك !
هكذا استمريت في التردد على النادي لمدة شهر على ذات الوتيرة ، لكم كان يسعدني ذلك .
فوجئت به واقفا أمامي ، بعد أن انتهينا من المنافسة هذا اليوم ،طلب محادثتي قليلا ...
جلسنا على طاولة المقهى الملحق بالنادي ، وكلاعب على وشك الانهزام ولا حيلة له، عيناه تنظران لكل شيء عدا عيني خصمه راح يستدعي النادل ليطلب لي قهوة وسط و له قهوته السادة. دقيقتان، كلفه الأمر دقيقتين فقط ليهيء نفسه للحديث، ثم خطى الخطوة الأولى وحرك كوب القهوة نحوي قائلاً :سحرتِني.
إنه يلعب شطرنجاً إذاً..يحاصرني بحركته هذه كي أفقد قدرتي على التركيز ومن ثم أنهزم، عرفت موطن ضعفه، كان يبدو خجلاً رغم صراحته، لعلها وإن لم أكن مخطئة مرته الأولى التي يحب فيها، أو يعترف.
نحو قلعته وجهت سؤالي"صريح جداً، كم فتاة أوقعت من قبل؟!" وقبل أن يستشعر هزيمته ابتسمت بسخرية وقلت : لست ممن تضع قلاعها في المقدمة .
أردت منه في تلك اللحظة هزيمتي ولكنني لم أعهد الاستسلام باكرا ولم نكمل فنجان قهوتنا الأول بعد .
توقعت أن يستاءمن إجابتي وتمنيت بذات الوقت ألا يفعل ،لم أشأ هزيمته فهممت بالمغادرة لكنه قال : أحببت واحدة فقط في حياتي، كانت رقعة الشطرنج. حتى جاءت امرأة تشبهني من حيث لا أدري ولعلها تشبه الشطرنج أكثر ،أحبّتها مثلي فأوقعتني في دهاليز غموضها .. كانت أنتِ ،أنا أحبكِ هل تقبلين الزواج بي ؟
تسمرت في ذهول، لم يخطر ببالي ماحدث مطلقاً، هذه لا تشبه خطة نابليون، و عيناه لا تشبهان أبي، هو لا يستخدم عقله، بل قلبه، وقد حاصرني بكل مالديه ، بعينيه، بخجله وجرأته في ذات الوقت، بقلبه وإيمانه بمايريد، شعرت بالدوار، هل انهزمت؟
ماذا قلتِ ، أتيتك بكل ماأملك، برقعة روحي بإعجابي وبنظرتي الأولى ،بدهشتي بحديثك وثقتك ،بإحساسي بالانتماء ، بربك وافقي وكوني ملكة البلاط !
أنا .. موافقة .
ً.. كش عشق!
" لم يعلمني "عبدالقادر منتصر " الكثير خارج طاولة اللعب لكنه لم يترك أمرا إلا وأدخله اللعبة "
نعم هكذا كان أبي .
انتهت .
#احكِ_لي

تتخبط حروفي وأعجز حرفياً عن وصف مدى جمال ماقرأت 💜
ردحذف