"أعقاب سجائر" بقلم: سامي الأكوع


#أعقاب_سجائر
ــــــ
الليل جميل هنا في هذه المدينة الصغيرة.. جميل بقدر الكآبة المبهمة التي تسيطر على أبنائها..إنها مدينة متواصلة الأحزان -..إنها الحديدة.. تلك المدينة النبية التي يكفر بها الجميع..
نظر إلى السماء وتبسم ..الظلام شهي.. شهي بقدر الوجع الذي يخلفه في نفوس الشعراء .. لا يهم.. غدا سوف نموت وسينتهي كل شيء.. الآن أغنية كلثومية وحبة سيجارة تكفي لتبديد هذه الحيرة القاتمة في أعماقه..ولكن أين صندوق السجائر؟
لقد أضاعه من أمس.. ثم منذ متى هو يًدخن؟.. وضع نظارته جانبا حيث لا يدري.. بعد قليل سيحتاجها وسيبحث عنها كثيرا كما هي عادته. سيُقـلِّب فراشه وغرفته رأسا على عقب ولن يجد لها أثرا.. سيجد مئة ريـال أضاعها قبل يومين، ومسودة قصيدة لا يدري متى كتبها..وسيجد صندوق السجائر كذلك.. لقد جاء في وقته تماما فأم كلثوم تصدح الآن :
وإذا الدنيا كما نعـرفهــا
وإذا الأحباب كلٌ في طريقْ
آه يا أم كلثوم.. صوتك وحده دليل قاطع على وجود الله.. كيف لي أن أصدق "داروين" أنكِ وليدة الصدفة؟..هذا ما لا يصدقه قلبي أبدا..بالمناسبة يا صديقتي أنا لا أدخن إلا على إيقاع صوتك.. أو بمعنى آخر أنا لا أدخن أبدا أنا فقط أحاول إيجاد معادل موضوعي حِسّي أرضي لصوتك الروحي السماوي لا غير.. ثم إن شعورا جميلا ينتابني وأنا أرمي أعقاب السجائر.. أشاهدها تهوي بعد أن انسلخت روحها في روح أخرى وكأنها قبض ريح.. كمثلي تماما.. أنا الشاعر التائه المتشكك في كل شيء.. من أجل هذه اللحظة وحدها أدخن يا صديقتي..
الظلام يزداد كثافة وكآبة ، وأم كلثوم تتألق وجعا لذيذا.. وسيجارته تحترق .. وهو يحس بشيء من الجوع.. يضع يده على بطنه ثم جيبه ويبتسم..
يا إلهي.. ما زالت السيجارة كما هي لم تنقص أبدا.. إنها بركة أم كلثوم إذن...أحس بشيء تحت ضلعه الأيسر.. تزحزح قليلا والتقطه.. "أووه.. إنها نظارتي.. كيف جاءت إلى هنا؟" ..ارتداها وأشعل النور (أو بالتحديد ما يسميه نورا في هذه المدينة الغارقة في الكآبة والظلام) ..تبسمَ حتى اخضلّت لحيته (جميل هو هذا التعبير الجديد أليس كذلك؟..إنه يشبه صور ومجازات قصيدة النثر) ..فعقب السيجارة هو من يحترق وليس رأسها كما يظن.. لقد فضّـلَ عقب السيجارة الاحتراق على الرمي به تحت الأقدام.. يا إلهي إنها فكرة جميلة وذكية ..أخذ مفكرته الصغيرة وكتب :
لم لا نكون أعقاب سجائر في هذه الحياة؟!..
أعقاب سجائر محترقة وليست مرمية تحت أقدام الحمقى والمغفلين..! أليس ذلك مدهشا حقا؟!

#سامي_الأكوع

شاركها في جوجل+

عن البراء القاضي

0 التعليقات:

إرسال تعليق