انتقلت -مُنذ قرابة أسبوعين- إلى هذا المنزل؛ يبدو جميلاً للعيان، بيد أن ما في دواخله أسوأ من أن يتخيله المرء.
لا أدري كم أحتاج من السنين لأرمّمه؛ أو حتى أن أتكيف على العيش معه -أجل أعيش معه! -
فنحن سنتشارك البؤس معاً؛ دمار جُدرانه وقلبي، تشقُق الأرضيات وأحلامي..
سنتشارك الكثير الذي يستوجب عليّ إخفاؤهُ عنكُم!
لا أخفيكُم سراً أن إيجاره يسير وموقعه مُميز؛ يُطل على مقبرة كبيرة مدفونٌ فيها -كما يقول أهل المنطقة- ثلاثة أطفال.
تسكُن بالقُرب مني - حسب ادعائها - عجوزٌ عمياء؛ تُعدّ لي الحساء الدافىء كُل يومٍ وتُحضّره الساعة السابعة وأربعة عشر دقيقة، تُخبرني في كُل مرة أراها فيها أنها ألفت ملامحي.. صحيح أنها تتحسس وجهي مرارًا وتكرارًا لكنني حقًا لا أفهم كيف ألِفتها!
حساؤها لذيذٌ جدًا فهو مصنوعٌ من البروكلي، والملفوف، وبعض قطع اللحم المُجففة..
تُثير دهشتي في كلّ يوم تُحضّر لي فيه هذا الطبق، كيف للمرء أن تعمى عيناه ويظلُ يُبصر كل شيء؟! كيف يمكنها تخطّي كُل هذا الظلام والنظر من خلال الطعام!
أيُعقل أن تكون كاذبة؟
أتستجدي رحمتي وشفقتي عليها؟
ما الضير في أن أمنحها بعضًا من حُبي ما دُمت قادرًا على العطاء، لا بأس حتى إن كانت تدعي العمى لن أعاملها بقسوة..
نحن نُعامل الأشخاص بما بدر منهم نحونا، لا بما اصطنعوه لأنفسهم ، لا أعلم حقًا مقدار البؤس الذي قابلها في حياتها لتصير وحيدةً كصحراء!!
تبقت ثلاثُ دقائق فقط على وصولها، إنها دقيقةٌ جدًا في مواعيدها تكاد تكون ساعة!
جرس البيت يُقرع؛ لقد وصلت..
.
.
.
.
هأنذا أعود من جديد؛ أحمل صحن الحساء، لونه اليوم مُختلفٌ عن كُل مرة..
إنها ترفض أن أوصلها لمنزلها أو حتى زيارتها !
ترتدي ذات الثياب؛ فُستانًا أصفرًا قصيرًا ، جواربًا بيضاء قصيرة بها بعض الزينة وحذاءً أبيضًا.
كأنها طفلة لكنها ليست كذلك.
تبدو اليوم على غير عادتها، ليست مُبتسمةً ولم تنبس حتى ببنت شفة واحدة، وضعت الحساء في يدي ورحلت!
يرن الجرس مرة أخرى!
أيُعقل أن تكون هي مُجددًا؛ نسيت أن أخبركم أن أسمها "هاء" ..
سأعود لأكمل بعد قليل!
..
.
.
مرحبًا!
أُدعى "هاء" دفنني والدي في تلك المقبرة الكبيرة أنا وأخوتي، لقد فقأت عينيه عندما كان يُحاول دفني، أفقدته بصره!
تركنا مدفونين ثلاث سنين؛ أنا الوحيدة التي استطعتُ ثقب القبر ..
خرجُت مسرعةً لمنزلنا، وجدتُ أبي يبحث عن عصاه، كان وحيدًا للحدِّ الذي جعلني أشفق عليه وأقتله!
جفّفته واحتفظت به للوقت المُناسب، و ورثتُ عنه العمى!
عِشتُ هنا تسعةً وستين عاماً؛ لم يرن أحدا منذُ ذلك الحين إلى الآن سوى "جاد " صاحب هذه المفكرة!
كان الوحيد الذي رآني؛ إنّه شيطانٌ لا محالة!
أطعمتهُ أبي!
خمسة عشر يومًا كانت كفيلة بإنهاء جثة والدي تماماً!
خلّصتُكم من هذا الشيطان؛ سآخذه من هُنا لأجفّفهُ حيث جففتُ أبي.
لن أدَع الشياطين تقترب من عالمنا ...
اِطمئنوا " هاء " معكم .
التوقيع..
هاءٌ العمياء
من مُذكرات الفتى الشيطان!
#تمت....
الرسمة للدكتورة
Hanan Al-Washali

0 التعليقات:
إرسال تعليق